alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

الوجود الأجنبي بين الاستعمار والمثاقفة

05 يناير 2013 , 12:00ص

احتفل السودان في بداية العام بذكرى استقلاله التي تصادف رأس السنة، ونؤكد أولا في هذه الذكرى المجيدة ألا خلاف على قدسية السيادة الوطنية وعلى (حمرة) خطها. ويفرض علينا هذا التأكيد أمرين: أولهما الخيبة في الأنظمة الوطنية التي جعلت البعض لا يتورع من تفضيل الاستعمار. أما الثاني فهو تمييز ضروري يحتاجه (غلاة) الوطنيين، بين الوجود الأجنبي كمستعمر والحاجة للأجنبي من باب المثاقفة. يمكن أن يكون للأجنبي وجود بقرار وطني، مثل الوجود الأجنبي في السودان لبناء سد أو استخراج بترول أو الاستعانة بخبراء في نطاق محدود مثل إسناد مهمة تدريب المنتخب (الوطني) لمدرب إنجليزي، كما حدث بالفعل قبل فترة غير طويلة، وعليه فإن وجود مستر براون مديرا لمدرسة حنتوب أو تأسيس مستر قريفث لمعهد بخت الرضا لا يشبه وجود مستر روبرتسون على رأس الإدارة السياسية للسودان. وليس من شائبة على مد خطوط السكة حديد وبناء خزان سنار وإنشاء مشروع الجزيرة وكلية غردون التذكارية ومدرسة كتشنر الطبية. ولم ينقص هذه المؤسسات من شروط الوطنية سوى أن يكون على رأس البلد حاكم وطني يستعين بذات الخبراء والعمال، بل وبمستشار يشير بإنشاء كل هذه المؤسسات. لم تهدم الإدارة الوطنية مدرسة حنتوب بعد الاستقلال، ولم تقتلع خطوط السكة حديد تحت شعار (كنس آثار المستعمر) وحفظت نظام الخدمة المدنية وتكونت الأحزاب والنقابات كما عرفها السودانيون من الأجنبي -ولا أقول المستعمر- وظل النظام يسير بعد الاستقلال على نمط راق لفترة قصيرة بعد رحيل المستعمر، هي الفترة التي يطلق عليها في السودان (الزمن الجميل). لم تكتسب تلك الفترة جمالها لخاصية تتصف بها تلك السنوات عما سواها، بل للجوار الزمني مع عهد الاستعمار الذي أدير بخبرات ومعارف أجنبية. ولما اتسعت الشُّقة مع ذلك العهد وتساقط من تدربوا مباشرة مع أساطين ذلك النظام تراجعت المفاهيم وتراجع الأداء في جل المرافق. بعد يناير 56 أصبح على رأس الدولة وطنيون فاكتمل شرط الحفاظ على السيادة، ولم يعد من حرج -خاصة بعد طول العهد- من وجود من يشبه قريفث في بخت الرضا ووجود من يشبه جنيسكل في مشروع الجزيرة الوجع الأكبر، بل ولا حرج في وجود شبيه للإداري الفذ مستر نيوبولد. ما دمنا نقر أنهم أهل معرفة وخبرة ودراية فلنستعن بهم في كل المجالات، ولنجرب خلق توأمة بين ولاية سودانية ومقاطعة ألمانية مثلا، وسوف تكون بعد سنوات قليلة ولاية (سودانية) لا تشبه أخواتها. كان طبيعيا أن تكون الحساسية عالية تجاه كل ما هو أجنبي والسودان حديث عهد بالاستقلال. ولذلك لم يكن مستغربا الحرص على نقاء الوطنية وإبعادها عن أي شبهة أجنبية. ولكن لم تمض سنين طويلة حتى أصاب الوطنية المقدسة رشاش، فإذا كان الاستعمار في معناه المباشر يعني الاستعمار السياسي الذي يضع السلطة والحكم في يد الأجنبي، فإن صراع السلطة والحكم في السودان المستقل قد انفجر سريعا وانقسم الصف الوطني الذي كان متحدا في مواجهة المستعمر إلى صفوف يحارب بعضها بعضا. وإذا بلغ المستعمر مداه الأقصى في مواجهة الوطنيين بسجن أو إعدام قادة الحركات الوطنية أمثال ود حبوبة وعلي عبداللطيف وعبدالفضيل ألماظ وثابت عبدالرحيم وعبيد حاج الأمين وإسماعيل الأزهري، فإن العهد الوطني -ولما تمض من عمره أربع سنوات- قد علق على حامد ورفاقه على حبال المشانق. ثم أرسل الأزهري بطل الاستقلال إلى سجن (ناقشوط) ومعه كل الزعماء السياسيين. ولما أكمل السودان المستقل عقدا ونصف، كان إسماعيل الأزهري قد مات سجينا، وقتل الإمام الهادي، ولما غربت شمس نظام مايو كان العهد الوطني قد قتل رهطا من خيرة أبناء السودان، محمد صالح عمر وعبدالبديع على كرار والصادق محمد الحسن وعبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق وهاشم العطا وحسن حسين ومحمد نور سعد ومحمود محمد طه. هذا قبل أن يضيف نظام الإنقاذ عشرات العسكريين من القتلى، ومئات المعتقلين من السياسيين، وآلاف المشردين من الموظفين والعمال، وبذلك بلغ ضحايا الصراع السياسي الوطني أضعاف ضحايا مقاومة الاستعمار. وهكذا يتضح ضعف المردود في الأداء السياسي وفي محصلة التنمية والخدمات خلال العهد الوطني. أما الأداء السياسي فلا معالجة تناسبه غير الديمقراطية الكاملة، بلا ذرائع لانتقاصها بدعاوى ترشيدها. وفي ميدان التخطيط لبناء دولة حديثة لا بد من الاستعانة بخبراء أجانب في كل المجالات. ولن أفرط في الدعوة للاستعانة بالخبرة والمعرفة الأجنبية حتى أدعم نظرية المفكر المزروعي الداعية لعودة الاستعمار، وهي نظرية تقول باختصار إن مقارنة أوضاع الشعوب في العهد الوطني مع أوضاعها في عهد المستعمر تكشف أن عهد الأخير كان أفضل خاصة بعد استشراء الفساد وتعدد مظاهر القهر والقمع. ويقترح هذا المفكر استعمارا بالتراضي. لست مع هذا الرأي، لكن الدراسة المقارنة لا تجعل للعهد الوطني قداسة تحصنه ضد كل ما هو أجنبي. كما أن الأجيال الحاضرة لم تعاصر عهود الاستعمار والاحتكاكات معه. فتجاوزت حساسيات الأجيال السابقة وتفهمت بوعي أن المعرفة والخبرة رصيد إنساني. وليس من الحكمة في شيء أن تمتنع أمة ما من الاستفادة من هذا الرصيد بدعوى اعتزازها برصيدها الوطني الضعيف في المعرفة والخبرة.

الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...