الأربعاء 11 ربيع الأول / 28 أكتوبر 2020
 / 
09:14 ص بتوقيت الدوحة

البعد النفسي في الأزمات والمواقف العربية (1-2)

د. محمد عياش الكبيسي
ينساق كثير من المحللين وراء مقولة «السياسة مصالح»، ولذلك فهو يبحث في تحليل الأزمات والمواقف المختلفة عن مصلحة هذا الطرف أو ذاك، وهذه المقولة قد تكون صادقة بنسبة كبيرة في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الآسيوية، أما في المجتمع العربي فربما يكون الاستناد إليها مضللاً في كثير من الأحيان.
التاريخ العربي مشحون بمواقف كبيرة وخطيرة لا يمكن فهمها بلغة «المصالح»، بل ربما يكون الدافع النفسي أظهر وأقوى، حتى لو كان بالضد من المصلحة، فهؤلاء ملوك الطوائف في الأندلس كان باستطاعتهم أن يحافظوا على ملكهم ودفع الخطر الصليبي عنهم بأقل تكلفة، فلم يكن الأمر محتاجاً إلى أكثر من تنسيق مواقفهم وإعلان حلف عسكري، خاصة أنهم يواجهون عدواً مشتركاً، وأن إمكاناتهم التسليحية والاقتصدادية لم تكن بمجموعها أقل مما عند عدوّهم، إن لم تزد عليها، لكن نفسية الملوك آنئذ لم تكن تنتبه للمصلحة، بقدر انتباهها أنها لا تريد أن تتنازل، ولو بطلب التنسيق والتعاون.
في بغداد كانت هناك فتنة «خلق القرآن»، جُلد فيها الإمام أحمد بن حنبل وأُودِع السجن، وامتحن فيها العلماء وانقسمت الأمة فيها أيما انقسام، والحقيقة أنه ليست هذه المسألة الفلسفية الدقيقة هي التي قسّمت الأمة، فهناك مئات المسائل الأكثر خطراً والأشدّ وضوحاً والأوسع أثراً، لكن الذي أعطاها كل هذا البعد إنما هو تبنّي الحاكم لها، فأصبح الذي يقول بخلافها كأنه يتجاوز على مقام السلطان، ولذلك انتشرت الشُّرَط والعيون؛ لمراقبة أي كلمة تصدر بهذا الشأن، يُشم منها رائحة التجاوز، مع أن السلطان لا مصلحة له قطعاً ولا لدولته في إثارة هذه الفتنة، خاصة أنها مسألة فلسفية نظرية لا ينبني عليها أي عمل.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذْكَر، فقد عشنا سنين في بغداد، والمؤذّن يُحَذَّر من أن ينسى الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان؛ لأن هذه علامة على أنه «وهّابي» إذ كانت سياسة الأوقاف في ذلك الوقت تتبنى الخط الصوفي، وقد تحوّلت المسألة من مسألة فقهية جزئية إلى مسألة «ولاء وبراء»، ودخلت في النفق السياسي، الذي لا يعرف المؤذّنون عنه شيئاً، وقد سمعت وزير الأوقاف آنذاك- رحمه الله- يتوعّد المؤذنين والأئمة الذين يغفلون عن هذه «السنّة»، وحدثنا أنه عاقب بعض الناس بالفعل على ذلك، وطردهم من المساجد!
عالم كبير بوزن علي الوردي،- وهو المتخصص بعلم الاجتماع وبعلم النفس الاجتماعي- يؤكّد أن الإنسان العربي يتحرّك بدافع نفسي محوري، وهو الذي يسميه «الغلبة» أو «التغالب»، أكثر مما يتحرك بأي دافع آخر، علماً بأن هذه النزعة قد تأتي بالضد من مصلحته تماماً، بل قد يدفع حياته ثمناً لها، ويلخّص»الوردي» هذه النزعة بقوله»إنه يودّ أن يكون ناهباً لا منهوباً، مُعْتَدِياً لا مُعْتَدى عليه، معطياً لا قابضاً، مقصوداً لا قاصداً، مغيثاً لا مستغيثاً، مجيراً لا مستجيراً، حامياً لا محمياً، مشكوراً لا شاكراً»، مع ملاحظة أن هذه النزعة تتعاظم في العلاقات والمنافسات بين العرب أنفسهم، وتضعف في كثير من الأحيان أمام الآخرين، فالعربي الفخور جداً بقوته وأنفته قد لا يكون كذلك أمام فارس والروم.