alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

من روائع غزل الأندلس

02 نوفمبر 2016 , 01:29ص

تحير الأدباء والشعراء في رقة وعذوبة شعر أهل الأندلس، وما علموا أن لطبيعة البلاد وجمالها تأثيراً على نفوس أهلها، فتأتي قصائدهم وكأنها منسوجة من خيوط الحرير الصافي. هذا إبراهيم بن سهل الأندلسي (649 هـ)، الشاعر الذي كان يهودياً فأسلم، وتشبعت نفسه من جمال الأندلس الخضراء، إذا قرأت شعره تظن أن المعاني الرقيقة كلها طوع أمره، يأمرها فتطيع. من أجمل قصائده تلك التي سكب فيها مشاعره، فكادت تضيء النار بين جوانحه، فيشتكي فيها من فتنة العيون، فطالما فضحت العيون العاشقين: بأبي جفونُ معذبي وجفوني فَهِيَ التي جَلَبتْ إليَّ مَنُوني ما كنتُ أحسَبُ أنَّ جفني قَبلها يقتادني من نظرةٍ لفتونِ يا قاتلَ اللهُ العيونَ لأنها حكمتْ علينا بالهوى والهونِ ومن ذا الذي يستطيع أن يكتم الحب؟ ولقد كتَمتُ الحبَّ بَينَ جوانحي حتى تكلّمَ في دُموعِ شُؤوني هيهاتَ لا تخفى علاماتُ الهوى ** كاد المريبُ بأن يقولَ: خذوني! خدعوه بحبهم، ووصالهم، حتى إذا اطمأنوا أنه هام في حبهم، ولم يعد يطيق عنه الصبر، هجروه: خدعوا فؤادي بالوصالِ وعندما شَبُّوا الهوى في أضلُعي هَجروني! ويطلب منهم الرحمة لكن هيهات: لم يرحموني حين حان فِراقُهم ما ضرَّهُمْ لَوْ أنهم رَحِموني؟! ولماذا يتعجب العذول من شوقي وحبي لهم وحنيني إليهم؟: ومِنَ العَجائبِ أن تَعجّبَ عاذلي مِن أن يَطولَ تشوُّقي وحنيني أيها العاذل.. دعني وشأني: يا عاذلي ذرني وقلبي والهوى أأعَرتني قلباً لحملِ شُجوني؟! ثم يبلغ به الحزن كل مبلغ، ويطلب الرحمة والتحية من حبيبته، التي سمَّاها بكل رقةٍ شقيقة مهجته: ما كان ضَرَّكِ يا شقيقةَ مُهجتي أنْ لو بَعثتِ تحيّةً تُحْيِيني؟! ولم يكتف بهذا، بل طلب منها الزكاة، وأن تتصدق عليه بأمرٍ عجيب!: زكّي جمالاً أنتِ فيه غنيةٌ وتصدقي منه على المسكينِ!! ورأى حُسنها فأذهله جمالها، حتى ظنّ أن الحور العين يمكن أن يعشن في الدنيا قبل الآخرة: ما كنتُ أحسَبُ قبل حُبّك أن أرى في غيرِ دارِ الخلدِ حورَ العين! ويقسم على ذلك بها هي!: قَسَماً بحُسنكِ ما بَصُرتُ بمثلِهِ في العالمينَ شهادةً بيمين ومن أجمل ما جادت به قريحته الأندلسية، ما شكا فيها من تدلل الحبيب: قَلبُ المُعَنَّى مِن خَيَالِكَ مَا خَلاَ وَالنَّومُ بَعدَكَ يَا حَبيبِي ما حَلاَ فأنَا الَّذِي بِهُيَامِهِ وَغَرَامِهِ أهوَاكَ يَا قَمَراً عَلى رَأسِ المَلاَ لَمَّا رَآنِي فِي هَوَاهُ مُتَيَّماً عَرفَ الحَبِيبُ مَقَامَهُ فَتَدَلَّلاَ!! فَلَكَ الدَّلاَلُ وَأنتَ بَدرٌ كَامِلٌ وَيَحِقُّ لِلمَحبُوبِ أن يَتَدَلَّلاَ أما ابن زيدون وحبُّه (أميرةً) من أميرات الأندلس، فقصصه لا تنتهي، وهو صاحب أعذب أبيات رددتها جبال الأندلس: ودّع الصَّبرَ محبٌّ ودّعك ذائعٌ مِن سرّه ما اِستودَعك يقرع السِّنّ على أَن لم يكن زادَ في تلك الخطى إذ شيّعك يا أَخا البدرِ سناءً وسنى حفظ اللهُ زماناً أطلَعك إن يطُل بعدك ليلي فلكم بتُّ أشكو قِصرَ الليل مَعك! لنا عودة إلى غزل الأندلس.. إلى اللقاء.

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...