الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
10:08 م بتوقيت الدوحة

الإنقاذ.. معارضة سياسية ومصالحة اجتماعية

عادل إبراهيم حمد
بحلول اليوم الثلاثين من شهر يونيو -الذي انقضى أمس- أكمل حكم الإنقاذ في السودان ثمانية وعشرين سنة، وهي فترة طويلة، تفرض البحث عن أسباب بقاء النظام لقرابة ثلاث عقود، رغم عدم تمتعه بسند شعبي (منظم)، إذ يفتقد التنظيم الحاكم للحيوية، و يستمد قوته من الحكومة، بدلاً عن أن تستمد قوتها منه، لأنه ببساطة صنيعة السلطة، لكن البقاء الطويل يشير إلى حاضنة شعبية، ما استمد منها النظام بقاءه الطويل.
هذه الحاضنة هي شريحة ربطها النظام به دون تخطيط و تدبير.. هي شريحة تتعايش مع النظام اجتماعياً، رغم أنها (رافضة) له سياسياً، ولا أقول (معارضة)، لما في المعارضة من تبعات تستدعي التنظيم والتخطيط.. هذه شريحة كبيرة جداً ترفض النظام وتكرهه، لكنها منسجمة ومتماشية مع برنامج حياتي يومي (للنظام الدور الأهم في رسمه).
وقد يزعج هذه الشريحة جداً أن يضطرب برنامجها اليومي هذا، وهي بين المدرسة، والفرن، والبقالة، والمكتب، والساحة الخضراء، وقد يشمل برنامج بعضهم حفلاً في نادي الضباط، أو مباراة في استاد الخرطوم.. الأهم في (الموقع) الاجتماعي السياسي لهذه الشريحة هو أنها قد ترفض في دواخلها أن يتعرض هذا البرنامج لاضطراب، ولو بمظاهرات تعطل الدراسة، وتغلق الفرن، وتوقف المواصلات، وقد لا تسقط في النهاية النظام.
هؤلاء هم من يجتمعون صباح الجمعة في إفطار، يضم شلة أصدقاء، أو يلتقون في شارع النيل، يهاجمون الحكومة، ويسخرون من حميدتي، وينكتون على الرئيس، ويعيدون آخر أخبار المحكمة الجنائية، ويتبادلون أخبار الفساد، ويهاجمون المناهج التعليمية، وسلم الإنقاذ التعليمي المعيب، وثورة التعليم الفاشلة، لكنهم هم ذاتهم من يحتفلون في فرح حقيقي بنجاح أبنائهم، وهم ينتقلون من مرحلة لأخرى فتنطلق الزغاريد من بيوتهم، وينشرون تهانيهم في الصحف التي تصادر أحياناً في المطبعة.
هؤلاء يتمنون زوال النظام بمعجزة ما، شريطة ألا تمس برنامجهم الحياتي اليومي من قريب أو بعيد، مجسدين بدقة فكرة التعايش الاجتماعي في إطار رفض سياسي.
هذه هي الشريحة الأهم، لا لحجمها الكبير فحسب، بل لأنها الشريحة التي لو تعارضت مصالحها مع مصالح النظام لتعرض النظام لخطر حقيقي، وهم بموقفهم الأقرب للحياد السلبي يجعلون مهمة المعارضة أكثر مشقة على من يضطلعون بدور معارض حقيقي، وهم قلة تحمل عبئاً ثقيلاً، يزيد من ثقله عدم انتباه المعارضين لهذه الحقائق.

اقرأ ايضا