


عدد المقالات 336
لقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة مركبة على بناء الأمة وبناء الدولة وبناء الوعي العام للتفريق بين الخطاب الموجّه للأمة والخطاب الموجّه للدولة، مع ما بين المساحتين من تداخل وتشابك. لقد كان عليه الصلاة والسلام يخاطب المجتمع المدني بكل مكوناته بلغة رجل الدولة, فيقول مثلا في الوثيقة المعروفة: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم.. وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة... وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله» ثم يكتب للمسلمين خاصة: «هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم, إنهم أمة واحدة من دون الناس». ربما كان عليه الصلاة والسلام بهذه الوثيقة أول من أسس لنظام (دولة المكونات) وهذا هو التوصيف الأدق لدولة الإسلام في المدينة، والذي يقوم على أسس واضحة ومحددة منها: أولا: الاعتراف بوجود مكونات مختلفة في هويتها وانتماءاتها داخل الدولة الإسلامية الواحدة «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». ثانيا: إعطاء كل مكون الحق في إدارة شؤونه الخاصة الدينية والاجتماعية والاقتصادية «على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم». ثالثا: المسؤولية المشتركة في حماية الدولة «وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة... وأن بينهم النصر على من دهم يثرب». رابعا: في حالة الخلاف والتشاجر الذي يخشى فساده يكون المرجع «فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله» وهذا ما يؤكد إسلامية الدولة مع الاحتفاظ بالخصوصيات الدينية والثقافية للمكونات المختلفة. إن هذه الأسس لم تثبت في الوثيقة النبوية فقط, بل كل ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة تؤكد هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحارب اليهود على معتقداتهم والتي كانت تكفر بدينه وتكذب نبوته، بل حاربهم لأنهم خانوا العهد, كما في قصة بني قريظة وتحالفهم مع الأحزاب, فآنذاك فقط استوجبوا العقاب، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في أكثر من موضع من مثل « لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:8-9]. إن الإسلام وضع منهجه الواضح في التعبير عن هوية الأمة ووسائل ترسيخها وحمايتها، وفي الوقت ذاته وضع منهجه الواضح أيضا للتعايش السلمي بين المكونات المختلفة في الدولة الواحدة، فلم يأخذ الأول من مساحة الثاني ولا الثاني من مساحة الأول، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاته الجهرية الآيات التي تندد بالشرك والتثليث وتأليه الأشخاص وتحريف التوراة والإنجيل، وفي الوقت ذاته يبني تحالفاته مع خزاعة المشركة ويكتب وثيقته مع اليهود, ويسمح للمنافقين بالصلاة معه, مع أنه يعرفهم بأسمائهم وأشخاصهم وجرائمهم. ولقد كانت الأمة من خلفه تعي بدقّة هذه المعادلة المعقدة أو المركبة، ولم يكن يلتبس عليها الخطاب, ولا تلك المواقف التي يصعب الجمع بينها في أرض واحدة وزمان واحد، لقد كان الإسلام يقول عن المنافقين: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا» [المنافقون:3]، ومع هذا كان رسول الله ينهى عن قتلهم ويقول: «كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وكان يقول عن اليهود والنصارى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة:51]، وفي الوثيقة يطالب المسلمين واليهود بأن يكونوا يدا واحدة على من دهم يثرب! إن هذه المنهجية لا يمكن فهمها إلا بتفكيك المصطلحات والمفاهيم والأحكام المرتبطة بالأمة وهويتها أو المرتبطة بالدولة ونظامها، وبعدم القدرة على هذا التفكيك صرنا أمام منهجيتين متناقضتين وكلاهما يستند إلى جملة من النصوص القرآنية والنبوية: المنهجية الأولى: تلك التي تهتم بجانب الهوية والعقيدة على حساب الجانب الثاني، فتنظر إلى المجتمعات والأمم الأخرى على أنهم أعداء بالضرورة, فلا يمكن التعايش معهم على أرض واحدة، ولقد اقترن عند هؤلاء الحكم بكفر الآخر مع الحكم بإقصائه وربما قتله، ويعتقدون أن أية مظلة تجمعنا بهم وطنيا أو سياسيا فهي مظلة جاهلية ومخالفة لقواعد الولاء والبراء. المنهجية الثانية: تلك التي ترجح الجانب السياسي والتعايش المجتمعي أو (الوطني) وتظن أن الاعتزاز بالهوية والعقيدة الصحيحة وقول الحق في المعتقدات والأفكار الأخرى معناه نقض قواعد الوطنية والتعايش السلمي، ومن هنا يظهر نوع من النفاق العلمي أو الثقافي إلى الدرجة التي تتعرض فيها عقيدة الأمة وهويتها للذوبان أو الاستئصال، ويعيش الجمهور حالة من الاضطراب والقلق الفكري والذي ينعكس بالضرورة على صيغة العلاقة مع المكونات الأخرى، وربما فات هؤلاء أنه كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضمن هذا التعايش مع الطائفة المشتركة في مكة, بل سيقبلون به ملكا عليهم لو قبل هو بهذه المنهجية. لا شك أن المنهجيتين تستندان إلى جملة من النصوص والمواقف النبوية, وهذا يعطيها قدرا من المصداقية، لكن الذي يكشف نقصها وخللها هو القراءة المنهجية والتحليلية لمجمل النصوص التي يستشهدون بها. وإنه بالقدر الذي ولّدت فيه المنهجية الأولى حالة منحرفة من التطرف والسلوك العنفي الذي لا يقبل الآخر ولا يتعامل معه إلا على مبدأ (أنا أو أنت) فقد ولّدت المنهجية الثانية حالة من الضعف والكذب العلمي وتذويب الثوابت الشرعية والملامح الأصيلة لهويتنا الإسلامية. وإذا كان من الجائز للسياسي أن يتكلم بمنطق الدولة، ويتحالف بمنطق السياسة، فيصيب ويخطئ، وهذا كله متاح له ولا يقدح في عقيدته ولا في ولائه لأمته، إذا كان وفق الضوابط الشرعية كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل بوصفه هذا مع اليهود والمشركين والمنافقين، فإنه لا يجوز للعالم أو المفتي أن يتكلم بهذا المنطق, وهو في موقع التوجيه العلمي والثقافي، فمثلا حينما يقول رئيس الدولة أو المرشح للرئاسة أو لأي منصب سياسي آخر: «نحن لا نفرق بين المسلمين والأقباط أو بين السنّة والشيعة» فهذا محمول على تحقيق العدل في حقوق المواطنة, ولا شك أن هذا من أولويات الإسلام، أما لو قالها العالم في مسجده أو جامعته وبوصفه العلمي والثقافي فهو تضليل ثقافي وكذب على الحقيقة والمعرفة وتذويب لهوية الأمة وعقيدتها وثوابتها. ولقد رأيت من بعض علماء أهل السنّة في العراق من يعيب على سياسيي السنّة اشتراكهم مع الشيعة في الانتخابات والحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة الأخرى، ليس من باب نقد الأداء فهذا حق متاح للجميع, بل نقد المشاركة من حيث المبدأ، ثم يجيز لنفسه هو أن يتحالف علميا وثقافيا مع الشيعة ويدعو للتقارب معهم ويرفع نفس الشعار الذي يرفعه السياسيون (إخوان سنّة وشيعة) و(لا فرق بين السنّة والشيعة) وربما فات هؤلاء الإخوة أن خطأ السياسيين في أدائهم وتحالفاتهم سيؤدي إلى تفويت المصالح الدنيوية أو الوطنية، أما هذا التقارب الديني والثقافي فإنه يهدد عقيدتنا وهويتنا من الأصل، وهذا ما توصل إليه عدد من العلماء الذين خاضوا تجربة التقريب الديني والثقافي, وأعلنوا للأمة بكل أمانة ووضوح فشل هذه التجربة وخطورتها على الأمة ومستقبلها. إنه ليس هناك من حل في كل دولة متنوعة الهويات إلا الوضوح في الهوية والوضوح أيضا في الاتفاق على صيغة التعايش, وهذا هو منهج رسول الله عليه الصلاة والسلام.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...