


عدد المقالات 369
يظن المتابع للشأن السوداني عن بعد أن كل قتال يدور في السودان وراءه دوافع سياسية. نشأ هذا الرأي بسبب حرب الجنوب الطويلة التي أفرزت في ختامها دولة مستقلة كأبلغ دليل على الطابع السياسي لتلك الحرب، ثم نشبت حرب في دارفور فور خمود نار حرب الجنوب. واستظلت الحرب الأخيرة أيضاً بمظلة سياسية؛ حيث رفع مقاتلو الإقليم مطالب تخص أهل دارفور، لكن في السودان (قتالات) كثيرة تدور بدوافع غير سياسية وتحصد من الأرواح وتحدث من الدمار ما لا يقل عما تفعله الحروب السياسية التي تجد تغطية إعلامية واسعة لا تجدها الحروب القبلية، تنشب الأخيرة بدوافع اقتصادية أحياناً مثل التنافس على المراعي، لكن نار الحرب تشتعل كثيراً بدوافع بسيطة مثل سرقة بضع بقرات، ثم تنفخ ثقافة العنف في الشرارة الصغيرة حتى تحيلها ناراً لا تبقي ولا تذر. ثقافة العنف هي موضوع مقالنا الذي نرجو أن يسلط الضوء على ظاهرة تصعب الإحاطة بها في مقال صحافي محدود.. إلى هذه الثقافة تعزى ديمومة الحرب القبلية في غرب السودان. دليلنا على ذلك أن مناطق أخرى في السودان تشهد التنافس الرعوي وتعرف التنقيب الأهلي عن الذهب، لكن التنافس فيها لم يتطور إلى مواجهات دامية وطويلة كما بين المعاليا والرزيقات أو إلى حرب كما في جبل عامر الغني بالذهب. عدم استهداف هذه الثقافة المتجذرة بالمعالجة هو الذي أفشل الخطط الأمنية على أهميتها، وأضعف فاعلية القوات النظامية رغم تأهيلها من النواحي القتالية والفنية.. كما أن الإدارات الأهلية التي يفترض أن تكمل دور الدولة الحديثة لا تدرك خطورة الظاهرة وغير مؤهلة للدور الثقافي المفترض، بل قد تكون متأثرة بثقافة العنف فلا يختلف شيوخ القبائل كثيراً عن رعاياهم؛ لذا لا يتعدى دورهم مجالس الصلح العابر التي قد تدفع فيها بعض الديات، ثم ينصرف الفرقاء إلى ذات الأجواء التي تحض على الحرب وتمجد الفارس الذي يبقر بطن عدوه ويُيتم الأطفال ويرمل النساء. ظل الوضع كما هو عليه منذ استقلال السودان قبل ستين عاماً والظاهرة تراوح مكانها؛ فلم يبادر أبناء البيوتات القبلية الكبيرة الذين تشربوا ثقافة السلم بعد عيشهم في العاصمة المركزية وتقلدهم مواقع عليا في الدولة برؤى لمعالجة المعضلة، رغم تأهيلهم للمهمة بفهمهم لخبايا الحياة في أريافهم ولنفسية وثقافة أهلهم، كما تؤهلهم معايشتهم لثقافة السلم، ومن ثَمَّ إدراكهم للفارق الشاسع حتى لم يعد ابن (الناظر) في العاصمة يهتم بحمل سلاح شخصي، بينما أبناء عمومته في الأرياف البعيدة يمتشدقون أسلحة خطيرة ينتظرون سماع طبل الحرب ليظهروا الشجاعة والبسالة التي تقاس بعدد الذين يسقطونهم قتلى وعدد القرى التي يحرقونها. والمغنون الشعبيون يؤلفون أغاني جديدة تؤرخ للمعركة التي سالت فيها الدماء (للركب). وظل القادة الوطنيون يرقبون سلبية الأجيال المتأخرة من أبناء البيوت القبلية الكبيرة. رغم أن حصة بيوت النظارة في الحكم يفترض أن يقابلها دور ضروري في معالجة الأوضاع الأمنية ووقف حلقات الحرب المأساوية.. لكن ظلت العلاقة بين أهل المركز وتلك البيوتات علاقة ترضيات بين الحكام وبيوت الإدارات التقليدية.. ولم يتغير الحال بعد أن نصبت الإنقاذ أمراء جدد على القبائل؛ فبقي الحال على ما هو عليه، أي مناصب لإرضاء أسماء كبيرة بلا مقابل يقدمه أصحاب المناصب العليا.. وهكذا لم تظهر رؤية تربط أهل تلك الأرياف بتعليم نظامي يمهد لثورة ثقافية تقتلع جذور الحرب، ولا توظيف بتعليم تقليدي يبصر الناس بعظم جريرة قتل النفس. وفي الجانب الاقتصادي لم يفتح الله على مثقفي أبناء القبائل المتناحرة ولا على الحكومة المركزية برؤية تنقل النشاط الرعوي إلى آفاق حديثة؛ فظل الرعاة على خطى أجدادهم الأقدمين في رحلات البحث عن الكلأ، رحلات تجمع بين المشقة واحتمالات الاحتكاك الدامي مع رعاة آخرين عندما تشح الأمطار وتجدب المراعي. ومع ذلك لم يقدم أحدهم فكرة عن الحظائر المغلقة ومصانع الأعلاف المركزة وغير ذلك من معالم النشاط الرعوي الحديث التي غابت معها إلى الأبد رحلة الألف ميل وراء عشبة خضراء. يساهم الإعلام بقصوره في إطالة أمد ثقافة العنف؛ وذلك بعجزه عن كشف فشل الأدوات الأهلية في حل المعضلة، فينجرف الإعلام وراء ظاهرة تضخيم إنجازات وهمية حتى أصبح الحديث المكرر عن حكمة شيوخ القبائل المدعاة -رغم الأرض المخضبة بالدماء- مثيراً للسخرية. ويقع الإعلام في فصام عجيب حين يفر من معارك الحاضر الدامية إلى ماضي الأجداد الذين كانوا يكسون الكعبة، وعندما يظن أن نار الحرب اللعينة سوف تنطفئ بمجرد تذكير الأحفاد بنار القرآن المضيئة التي كانت رمزاً للإقليم في سالف الأزمان. أما وزراء الثقافة فإن كل سلوكهم يوحي بأن ثقافة السلام لا تعدو أن تكون بفهمهم شعارات فارغة يتمشدق بها المثقفون المدعون؛ لذا لا يولون اهتماماً لخطر الأشعار والأغاني التي تبث من إذاعات ومحطات حكومية تنشر ثقافة العنف وتمجد القتلة وقطاع الطرق، بل قد لا يرون إشكالاً في تنظيم مهرجان لما يسمى تراث الحماسة ويشارك الوزير بـ (العرضة) في أغنيات السيف البحز الرؤوس وجاموس الخلا وصقور الجو المحلقة فوق أرض المعركة.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...