


عدد المقالات 336
يكثر الحديث هذه الأيام عن الهُوية، من حيث أهميتها والتحديات التي تواجهها، ولكن ليس هناك ما يشير إلى وجود تعريف جامع مانع للهوية التي نتحدث عنها، وهذا ما يفتح الباب لتفسيرات وتأويلات فضفاضة قد تساعد في كشف خاصرة الهوية نفسها لكل من يسعى لاختراقها أو تشويهها. الهُوية تعريفٌ، والتعريفُ ينبغي أن ينقّى تماما من الكلمات المحتملة والمفاهيم المبهمة، وإلا فقد التعريف وظيفته، تماما كالبطاقة التعريفية التي يحملها الأشخاص والتي تتضمن الاسم والصورة والتسلسل الوطني وكل ما يميز هذا الشخص عن غيره، وحينما نتكلم عن هوية الأمة فإن الحاجة إلى التعبيرات المحددة والمميّزة ستكون أشد، وإذا كان فقدان الهوية الشخصية أو اختلاطها قد يضيّع الحقوق والحدود، فإنه بالنسبة للأمم والشعوب سيكون أكثر خطرا على كل المستويات الثقافية والسياسية، خاصة إذا لاحظنا أن الهوية لا تعرّف الأمم والمكوّنات البشرية فحسب، بل هي من تؤسسها وتعيد صياغتها، والذين ينجحون في صناعة هوية جديدة فإنهم قد ينجحون أيضا في صناعة أمة جديدة! ولننظر مثلا إلى فرانكلين في صناعته للهوية الأميركية، ولينين في صناعته للاتحاد السوفيتي. بعض الباحثين لا يعرّف الهوية إلا بالسمات والخصائص كالدين واللغة والعادات والتقاليد، ثم يضع هذه العناصر في مرتبة واحدة ويسوقها سوقا واحدا، وفي المقابل هناك من الإسلاميين من يعرّف الهوية بالعقيدة، وبهذا يلغي كل السمات والخصائص الأخرى، وكلا التوجهين يحملان تداخلات خطيرة قد يطول شرحها، ولكن يكفينا هنا أن نثير الجو النقدي المحفّز على التفكير الفاحص. لكل هوية سماتها وخصائصها ولكل شعب طرائقه في التعبير عن ذاته، إلا أن كل هذه السمات والطرائق تدور حول فكرة مركزية تمثل العمود الأساسي في الهوية، وهذه الفكرة يمكن أن نسميها (الآصرة الأولى) فمثلا القبيلة مثّلت هذه الآصرة في بعض المجتمعات ووفق هذه الآصرة يكون الولاء والعداء، أما اللغة والعادات والتقاليد والفن فكلها خصائص تابعة لهذه الآصرة وتدور في فلكها، ومثل هذا حينما نتكلم عن الآصرة الوطنية أو القومية أو الطائفية. في هويتنا الإسلامية لا بد من البحث أولا عن هذه الآصرة، فما الذي فرّق بين أبي لهب وأخيه العباس، وما الذي أبعد «أبا الحكم» وقرّب بلالا؟ وما الذي جعل الأوس والخزرج يخوضون حربا ضروسا مع قريش؟ هناك قضية واحدة وكلمة واحدة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ولم يكن التمايز في اللغة ولا العادات أو التقاليد ولا كل السمات التي يضعها بعض الباحثين في صف واحد. لكن هذه هي العقيدة التي انطلق بها المسلمون الأوائل وصنعوا منها تاريخا متميزا وممتزجا بروح العقيدة ومقتضياتها حتى إنه يصعب وضع حد فاصل بين التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية، فمعركة بدر وأُحُد والقادسية واليرموك والفتوحات الكبرى كفتح الأندلس والقسطنطينية... إلخ وما أفرزته هذه من رموز تاريخية كبيرة كالخلفاء الراشدين وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وصلاح الدين ومحمد الفاتح... إلخ هذا التاريخ كله هو جزء من هويتنا وإن لم يكن جزءا من علم العقيدة، بمعنى أنه لا بد من غرس الاعتزاز بهذا التاريخ في نفوس الأطفال والناشئين، وهو وإن كان تاريخا بشريا غير مقدس لكنه يمثل امتدادا هاما لهويتنا الإسلامية، ورافعة قوية لطموحاتنا الكبرى في الوحدة والنهضة، والأمة التي ليس لها تاريخ ليس لها مستقبل. والعقيدة أيضا لم تنفصل عن الفكر الإنساني، فتراثنا الإسلامي حقق تفاعلا متواصلا بين المعرفة البشرية ومصادر الوحي المقدس (القرآن والسنة) فكتب التفسير والحديث والفقه والأصول... إلخ والمدارس العلمية والاجتهادية الرصينة كالمذاهب الأربعة، والمؤسسات التربوية كالزيتونة والأزهر والنظامية والمستنصرية، والرموز العلمية الكبيرة كالبخاري ومسلم والغزالي وابن تيمية... إلخ هذا التراث كله هو جزء من هويتنا وإن لم يكن تراثا مقدسا. ولأن الوحي نزل بلغة العرب (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) وهي لغة الحديث والفقه والتفسير، ولغة الصلاة والحج فإن اللغة العربية إذن هي جزء من هويتنا بكل تراثها العلمي والأدبي ومدارسها ورموزها، وإن لم يكن هذا التراث اللغوي تراثا مقدسا أيضا. وكذلك طرائق التعبير عن هذه الهوية هي أيضا جزء من هويتنا، وهذا باب واسع يشمل الفن والعمران والزينة والزي... إلخ, ومعلوم تلك الأحاديث النبوية التي تتحدث عن ترجيل الشعر ومخالفة المشركين ثم اليهود فيه، وقد حوى كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية لطائف وفرائد دقيقة في هذا المجال، وعلينا ألا نستهين بهذا الجانب فإن مآذن اسطنبول هي التي حافظت على هوية تركيا الإسلامية رغم كل مشاريع التغريب والأَوْرَبة، وإن مسجد أبي حنيفة النعمان هو من حافظ على هوية بغداد في أيام البويهيين، وسيحافظ عليها اليوم إن شاء الله في عهد الصفويين الجدد، كما أن قبة الصخرة التي بناها الأمويون في المسجد الأقصى المبارك ستحافظ على هوية فلسطين، وقد زرت الأندلس فوجدت الزخارف الإسلامية المنتشرة حتى على المباني الحديثة مثل فندق الحمراء والذي تزيّن أروقته عبارةُ (لا غالب إلا الله) وهي شاهدة على هوية الأندلس، وفي البلقان كانت أنشودة (طلع البدر علينا) يحفظها أطفال المسلمين هناك, وأصبحت جزءا من هويتهم، وأخيرا فإن تعلق قلوب الملايين من المسلمين بستارة الكعبة المشرفة وزخرفتها المميزة شاهد آخر على صلة هذا الجانب بالهوية. إذن نحن بحاجة إلى تعريف متوازن ودقيق للهوية يجمع بين محور الهوية المقدس (العقيدة) وبين التفاعلات البشرية مع هذا المحور فكرا وحركة وتعبيرا، كما نوازن بين الاعتزاز بتاريخنا وتراثنا والشعور بالانتماء إليه وأنه جزء من ذاتنا وهويتنا وبين النقد العلمي لهذا التاريخ والتراث لأنه ليس تاريخا ولا تراثا مقدسا، بهذه النظرية المركبة والمتوازنة نستطيع أن نصوغ تعريفا مناسبا ودقيقا للهوية بشكل عام فنقول: «الهوية هي آصرة الولاء والانتماء الأولى والخصائص الثقافية والتراثية المنبثقة من التفاعل الإيجابي مع هذه الآصرة». هذه المقدمة في تعريف الهوية ستوصلنا إلى استنتاجات ومعايير حاكمة في نمط التفكير السائد ومن ذلك: أن الحديث عن الهوية من خلال السمات المجتمعية المنفصلة أو المتساوية مع المحور الأساس يجعل التمايز بين الذات والآخر تمايزا ضعيفا وربما متميعا، فحين نردد مثلا: علينا أن نعترف بالآخر أو أن نحترم الآخر، وهذه أدبيات جميلة، لكن أليس الأَوْلى قبل هذا أن نعرف بالضبط من نحن ومن الآخر؟ وهنا يأتي دور الهوية، فهي التي ستحدد بالضبط من نحن ومن الآخر، وحين تتناول الهوية السمات والأدبيات العامة من غير تحديد الآصرة «الجامعة المانعة» فإن الحدود بيننا وبين الآخر ستبقى مشوّشة ومرتبكة. وحين نرتكب الخطأ المقابل فنمحو التاريخ والتراث من مسمى الهوية، فإننا سنعرّض كل هذه الثروة للضياع، وأذكر هنا محاضرة لأحد المشايخ وهو يتحدث عن الفتن والفِرق فقال: الحل هو أن نتجاوز كل هذا التاريخ المضطرب ثم ننصب جسرا من النقطة التي نعيش بها اليوم إلى عصر النبوة الصافي! ومع ما يبدو في هذا من طرح مريح للنفس، إلا أنه من الناحية العملية غير ممكن، فذلك العصر نُقل إلينا نقلا. والذين نقلوه هم بشر رواية ودراية واستنباطا، والذين وضعوا قواعد اللغة العربية هم بشر أيضا، وبالتالي فإننا لن نتخلص من الاجتهاد ولا الاختلاف وفوق هذا سنخسر من تلقتهم الأمة بالقبول وشهدت لهم بالتميّز والصلاح، وهذه الفكرة بأبعادها النفسية تمثل هزيمة داخلية وتخففا من أعباء استيعاب الهوية وفهمها والصراع من أجلها كحال جميع الأمم التي تقاتل من أجل هويتها. في التعريف المقترح معيار حاكم حيث لا بد من التفريق بين التراث المنبثق من التفاعل الإيجابي مع «الوحي» والتراث الآخر حتى لو صدر ممن ينتسب إلى الأمة، وهذه فائدة التفريق بين الآصرة الأولى وبين بقية السمات والخصائص، فمثلا في بعض كتب التفسير هناك تفسيرات باطنية متناقضة مع صريح الوحي، وهناك روايات إسرائيلية استفادها بعض المفسرين من الكتب اليهودية كمحاولة لتفسير بعض القصص القرآنية والتي قد تكون وردت بشكل مفصل في الكتب اليهودية، وهناك أيضا مقولات عقائدية وفقهية لا تدخل في دائرة الاجتهاد المشروع، وهذا كله ينبغي إبعاده عن مفهوم الهوية, ثم لا بأس بتناوله في دائرة التراث الإنساني العام للاعتبار وليس للانتماء. من هنا تكون أمامنا ثلاث دوائر: دائرة الوحي المقدس (قرآنا وسنة) وهذه الدائرة هي محور الهوية وركنها الأساس، ثم دائرة النشاط العملي والفكري المنبثق من التفاعل الإيجابي مع الدائرة الأولى، وهذه امتداد لهويتنا نعتز بها وندافع عنها وهي خاضعة أيضا لمزيد من الاجتهاد والنقد والتمحيص، الدائرة الثالثة دائرة النشاط العملي والفكري البعيد عن الدائرة الأولى، وهذه لا نعدها من هويتنا وإنما هي جزء من التراث الإنساني العام. بقي أن نجيب عن تساؤل يثار وهو: لماذا فقه الهُوية؟ وما الذي يضيفه فوق الأحكام الشرعية المعروفة؟ نعم هناك بعض التداخل من حيث المصدر والغاية الكلية لكن هناك فارق جوهري كبير، ولهذا الفارق تداعيات وآثار كبيرة وخطيرة، منها أن الفقه الإسلامي يعنى به الفقهاء استنباطا وتحقيقا وترجيحا وتنزيلا، والأمة عليها أن تستفتي هؤلاء الفقهاء «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» أما الهوية فالأمة كلها معنية بفهمها وترسيخها والدفاع عنها، إنها الرأي العام والإطار الكلي الجامع، والمعيار الذي يجب أن تحمله الأمة في كل ظروفها وأحوالها لتعرف به عدوها وصديقها، وتعرف به الاعتدال من الشذوذ، لكن الأمة غير مطالبة بفهم كل الأحكام الفقهية، بل المطلوب أن تميز تراثها المرتبط بهويتها عن التراث الآخر تميّزا كليا من خلال الرموز والملامح العامة والقوانين الكلية وليس من خلال المعرفة التفصيلية لجزئيات هذا التراث، وبهذا يتمكن الجميع من المساهمة في ترسيخ الهوية وبكل الوسائل المتاحة كالتربية الأسرية والمدرسية ووسائل الإعلام والعلاقات الاجتماعية... إلخ, ولا يصح أن تترك الهوية لنخبة متخصصة من الفقهاء والباحثين، وعليه فمن الناحية العملية ليس معيبا أن يقول المسلم إني لا أعرف معنى هذه الآية أو ذلك الحديث، أو أني لم أسمع بهذا الحكم في العبادات أو المعاملات، ولكن من المعيب أن يسمع الطعن في أمهات المؤمنين وصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتاريخ الأمة, فيسكت أو يقول: لا أعلم! فهذا مؤشر على ضياع الهوية وتشويهها.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...