alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

ظاهرة التكفير.. قراءة تحليلية جديدة(3-3)

31 ديسمبر 2013 , 12:00ص

إذا كانت مسألة (الحكم) قد أدت عند هؤلاء إلى تكفير الحكام فإن هناك مسألة أخرى قد أدت عندهم إلى تكفير المجتمعات والأفراد وهي مسألة (الولاء والبراء)، فإذا كان الحاكم قد كفر بمقتضى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة 44، فإن الأمة التي توالي هذا الحاكم قد كفرت بمقتضى قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة 51. هذه مقولات مركزة ومبسطة وصلت إلى عقول الشباب وقلوبهم وأصبحت من الثوابت والمسلّمات الدينية التي لا تقبل الخلاف أو النقاش، وإذا كان العالم المختص يرى من واجبه الغوص في التفاصيل والمآلات على ضوء قواعد الاستنباط وشروط التنزيل فإن غيره يميل دائماً إلى المواقف الواضحة والحاسمة التي لا تكلفه جهداً ولا اجتهاداً، ومن هنا نرى الفجوة الكبيرة التي حصلت في هذا الموضوع بالذات بين العلماء وبين هؤلاء الشباب، حتى صار الأصل في العلماء عندهم أنهم «علماء السلطان»، ومع وجود نماذج من هذا النوع بالفعل فإن مهمة هؤلاء الشباب في التخلص من رقابة العلماء وتعقيداتهم قد أصبحت أكثر يسراً وسهولة، لكنه قد فات هؤلاء أنهم سيقعون فيما فروا منه، فأي حكم إسلامي ذلك الذي يكون بلا علم ولا علماء؟ والقرآن يقول: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء 83، أي الذين يتمكنون من شروط الاستنباط وأدواته وهم العلماء الذين قال عنهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- «العلماء ورثة الأنبياء»، فتجاوز العلم الشرعي معناه بالضرورة تجاوز الحكم الشرعي نفسه. إن تكفير الشعوب والمجتمعات بقواعد الولاء والبراء لا يخلو من جهل مركب وقلة بضاعة في فقه الدين وفقه المجتمع، ولنقف مع هذه النماذج القرآنية الثلاثة: النموذج الأول: عبد بنو إسرائيل العجل، وهذا كفر صريح لا جدال فيه، إلا أن هارون -عليه السلام- وهو نبي ورسول قد رأى البقاء معهم والحفاظ على وحدتهم {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا*أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي*قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} طه 93-94، وهذا مقصد شرعي قلّ من ينتبه له وهو الحفاظ على وحدة المجتمع أيام الفتن إلى حين توفر عناصر الإصلاح أو العلاج، وعليه فلا ينبغي تفسير هجرة الأنبياء تفسيراً عقدياً، فالخلاف العقدي بمفرده لا يقتضي الهجرة، ولذلك عاتب الله يونس –عليه السلام- لأنه ترك قومه مع ما هم عليه من الشرك، فعاد إليهم نادماً ليمارس دوره في الإصلاح من داخل المجتمع وليس من خارجه، وهذا إبراهيم –عليه السلام- الذي كان يعيش مع آزر وقومه ويخاطبهم بكل لطف ولم يقرر الهجرة إلا بعد أن أضرموا عليه النار، ولم تكن هجرة رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- استثناء من هذا، فهو لم يهاجر مع صحبه الكرام إلا بعد ازدياد أذى قريش عليه وعلى أصحابه، وهذا كله يعني أن تعايش المسلمين مع غيرهم على أرض واحدة وفي مجتمع واحد لا غبار عليه وليس له علاقة بموضوع «الولاء والبراء». النموذج الثاني: من الواضح في قصة يوسف أنه –عليه السلام- جاء بمهمتين مقترنتين؛ دعوة الناس إلى التوحيد وهذا واضح من حواراته مع المسجونين وغيرهم، ووضع خطة عملية لإنقاذ الناس من الجوع وإن كانوا على دين آخر، وقد تطلبت المهمة الثانية المشاركة في حكومة غير إسلامية ومخالفة لعقيدة التوحيد وقد صرّح القرآن بهذا فقال: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}، وهذا يعني صراحة أنه قد اشترك دينان مختلفان في حكومة مصر والغلبة فيها والكثرة لدين الملك وليس لدين يوسف. النموذج الثالث: يقول القرآن في العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وأهل الكتاب: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} المائدة 5، فلو كانت المفاصلة أو (العداوة) شرطاً في صحة العقيدة فكيف يجوز للمسلم أن يتزوج من يهودية أو نصرانية؟ كيف يتزوجها وهو يفاصلها أو يعاديها؟ وقد قال القرآن عن الزواج بشكل عام {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} وهو شامل للزوجة الكتابية بلا شك. من هذه النماذج وغيرها كثير يتضح أن هناك مساحة واسعة بين الدائرتين، دائرة البراءة الواجبة من المشركين ودائرة الموالاة المحرمة لهم، وفي هذه المساحة تزل أقدام الكثير من الخائضين في هذا الخضم. إن عقيدة المسلم متميزة ومتمايزة عن كل العقائد الأخرى، لكن المسلم لم يخلق ليعيش بعيداً عن هذا العالم المركّب والمليء بالديانات والثقافات المختلفة، بل الإسلام يحمّل المسلم رسالة الرحمة بكل جوانبها لكل العالمين، ويخطئ من يظن أن هذه الرسالة محصورة في دعوتهم للحق وترغيبهم فيه، بل القرآن ينص على البر بالمخالفين {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} الممتحنة 8، والبر كلمة جامعة لكل معاني الخير، ويدخل فيها صلة الرحم وحسن الجوار ونجدة الملهوف والدفع عن المظلوم ورعاية اليتيم وعلاج المريض.. إلخ وهي كذلك تشمل ما يسمى اليوم «الأخلاق التواصلية» الابتسامة والهدية والزيارة والوفاء وحفظ العهد.. إلخ وهذا كله محفوظ عن رسول الله وصحبه. وأما ما ورد من الشدة والغلظة فهو استثناء لضرورة الحرب مثلا {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} الممتحنة 9، أو لضرورة إقامة الحدود على المجرمين {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} النور 2، فهناك أصل وهناك استثناء، وسوق النصوص بطريقة انتقائية ومزاجية يعد مجازفة خطيرة بحق الدين نفسه وبحق المجتمع أيضاً. في مقابل كل هذا ينبغي أن لا نغفل حاجة المجتمعات المسلمة نفسها إلى خبرات الآخرين ودعمهم ومساندتهم في مختلف المجالات كالصحة والتعليم والصناعة والزراعة ودفع المخاطر المشتركة كالكوارث الطبيعية والأوبئة وما إلى ذلك، وهناك أيضاً حاجة الجاليات والأقليات المسلمة للنظام العادل ولو كان كافراً حيث يتعذر مطالبتهم بنظام إسلامي، ورفض النظام بالجملة معناه ضياع حقوق الناس وإشاعة الفوضى، ومن هنا فمشاركة المسلمين في السلطات الثلاث لا مناص منه لضمان حقوقهم ورفع الظلم عنهم. واليوم هناك تحديات تواجه الدول المسلمة أيضاً في ظل هيمنة ما يمكن تسميته بالحكومة العالمية، فهناك القوى الكبرى والمنظمات العالمية الفاعلة والأعراف الدولية.. إلخ وربما كان خراب أفغانستان ثم العراق وغيرهما بسبب محاولتها الخروج عن هذا السقف العالمي، وهذا كله يعطي الدول فضلا عن الأفراد مرونة تضبط التوازن بين المفاسد والمصالح في هذا الوضع الاستثنائي الخطير. إن هذه المساحة الشاسعة والمتموجة لا يمكن أن تضبط باللونين الجامدين الأسود والأبيض ولا بالثوابت والمسلمات، وهنا تتدخل ظروف التاريخ والجغرافية والمجتمع والعلاقات وتوازن القوى أكثر بكثير من دخول الأحكام والنصوص المجردة، وليس كل الناس لديهم القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح في ظل حالة الجهل والضعف العام والانقسامات الحادة، والتكفير بكل الأحوال لا يمكن أن يكون علاجاً أو حلا بل هو أداة أخرى من أدوات الضعف والانقسام والاحتراب الداخلي.

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...