


عدد المقالات 336
المشكلة إذاً لا تنحصر في أولئك المطبّلين أو المندسّين على السلك الشرعي، بل هي متأصلة كذلك في الشرعيين أنفسهم ممّن لا نستطيع أن نتهمهم في نواياهم، ولا نشكك في مستوى تكوينهم الشرعي، وهنا تأخذ المسألة بُعداً آخر أشد تعقيداً وأشد تأثيراً. إن أسّ المشكلة عند هؤلاء يكمن في سوء تقديرهم للموقف، وما ستؤول إليه الأمور، وهذا أمر طبيعي ومتوقع فالمشايخ عادة لا يملكون مؤسسات تعينهم على ذلك، فضلاً عن أن غالبيتهم غير متابع ولا مهتم بالشأن السياسي، ولا يُحسن الاطلاع على ما ينشر في الدول الصانعة والمؤثرة في الأحداث العالمية، ولذلك تكون معلوماتهم قاصرة ومبتورة، وإذا كانت القاعدة المنطقية تقول: «الحكم على الشيء فرع عن تصوّره» فلا شك أن هذه التصورات الناقصة والمبتورة ستؤثّر تأثيراً مباشراً في الحكم. في هذه الحال يلجأ المشايخ عادة إلى عدة أمور تسهم بمجموعها في تأزيم الخطاب الديني، ومن ذلك: أولاً: الاستناد إلى الخطاب الذي يمثّل سياسة الدولة، وهذا نهج المؤسسات الشرعية الرسمية، والمشايخ الذين يتمتعون بعلاقات طيبة مع الدولة أياً كانت هذه الدولة، فتقديرهم للموقف يأتي في الحقيقة تقليداً لموقف الدولة، ثم يقتصر دورهم على توظيف الآيات والأحاديث في هذا الاتجاه، والشيخ قد يكون صادقاً مع نفسه وليس منافقاً ولا مطبّلاً، فهو إما واثق حقيقة بما يسمعه من الإعلام الرسمي، وإما أن يكون قاصداً لتعزيز هذه الثقة والتغاضي عن بعض السلبيات دفعاً للفتنة وللمفسدة الأكبر، ولكن هذا التوجّه بطبيعته سيؤدّي على أقل تقدير إلى انقسام الفتاوى والخطابات الدينية بحسب انقسام الدول، إضافة إلى ضعف الثقة بهذا الخطاب، خاصة إذا انكشفت الأمور وظهرت النتائج والعواقب المريرة. ثانياً: هناك من المشايخ أيضاً من يميل إلى الأحزاب والجماعات الدينية، وقد يكون عضواً فيها، وهو بالتالي يثق بتحليلاتها ومواقفها، ومن ثمّ فهو يتعبد الله بموافقتها، لكنه بالطبع لا يوافقها بعنوانه الشخصي، بل هو يقوم بذلك الدور نفسه الذي يقوم به فريق السلطة و»ولاة الأمر»، فتكون مهمته كذلك توظيف الآيات والأحاديث وقواعد المصلحة والضرورة لخدمة موقف الجماعة، وليس للموقف الذي شخّصه هو، وهذا لا شك اجتهاد مبتور، فهو مقلّد من ناحية ومجتهد من ناحية أخرى، وما ينطبق على اختلاف الدول سينطبق أيضاً على اختلاف الجماعات، وسيبقى عامة الناس يتلقون الفتاوى المتناقضة تبعاً لتناقض الجماعات والأحزاب أو لتناقض الدول. ثالثاً: بين هؤلاء وأولئك يظهر فريق ثالث وهو في الغالب متذمّر من الفريقين، فيدفعه تذمّره هذا إلى تبني الموقف المتشدد أياً كانت نتائجه، وهذا لا يهمه الواقع ولا ما ستؤول إليه الأمور، بل هو يلجأ إلى ما يسميه «الثوابت»، وهذه كلمة مضللة بعض الشيء، فإدارة الأزمات لا تحكمها الثوابت المطلقة، ولا المبادئ العامة، ولا يوجد في العالم ولا في التاريخ برنامج لإنقاذ المجتمعات يستند إلى الثوابت المجردة، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استجار بمشرك لحمايته، وهاجر وهادن، وقاتل وصالح، وقدّم وأخّر، وساكن اليهود والمنافقين وتحالف مع بعض المشركين، وكتب وثيقتين واحدة مع اليهود وأخرى مع قريش..
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...