alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 12

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

10 أغسطس 2026 , 10:18م

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل في حضورها بصورة متعارضة، إذ تتحرك واشنطن وطهران وفق حسابات تبدو منطقية من منظور مصالحهما ومخاوفهما الإستراتيجية، لكن ما يراه أحدهما إجراءً محسوباً لحماية أمنه أو تعزيز موقعه، قد يقرأه الآخر بوصفه تهديداً يستوجب الرد. وتتشكل مفارقة سوء التقدير العقلاني هنا، حين تقود قرارات تبدو عقلانية بصورة منفردة، بفعل انعدام الثقة وسوء إدراك نوايا الخصم، إلى نتيجة جماعية لم يكن أي من الطرفين يسعى إليها. ومن هذا المنظور، لا تكمن خطورة الأزمة في وجود قرار مسبق بالذهاب إلى الحرب، بقدر ما تكمن في احتمال الوصول إليها عبر سلسلة من الخيارات التي اتخذت أساساً لتجنبها.
وتكشف التطورات الأخيرة جوهر هذه المفارقة بوضوح، فمذكرة التفاهم نجحت في احتواء لحظة المواجهة، لكنها لم تعالج جذور الأزمة، إذ ظلت القضايا الأساسية خارج نطاق التسوية الفعلية. لذلك، سرعان ما عادت الأزمة إلى مسار التصعيد، فمن منظور واشنطن، تمثل الضربات المحدودة وتشديد العقوبات أدوات محسوبة لتعزيز الردع، وحماية الملاحة، والحد من القدرات الإيرانية، في حين تنظر طهران إلى هذه الإجراءات بوصفها امتداداً لسياسة الضغط والإكراه، وتتمسك في مواجهتها بقدراتها العسكرية وأوراقها الإستراتيجية للحفاظ على موقعها وتعزيز قدرتها على الرد. وتتجلى المعضلة، حين ما يراه أحد الطرفين خطوة ضرورية لردع الآخر، قد يراه الطرف المقابل تهديداً يستدعي مزيداً من التحوط والتصعيد. وتزداد خطورة هذه المعادلة حين يعتقد الجانبان أن بإمكانهما التحكم في حدود التصعيد، فالضربة المحدودة أو العقوبة الإضافية قد تبدأ كإجراء محسوب لتعديل سلوك الخصم، لكنها في الوقت ذاته تغير حساباته وتستدعي رداً جديداً، لتنشأ سلسلة من الأفعال وردود الأفعال تضيق معها تدريجياً مساحة التراجع، وتصبح السيطرة على مسار الأزمة أكثر صعوبة.
ويزداد خطر سوء التقدير حين يتسع نطاق الغموض، إذ لا تكمن خطورة هذا الغموض في تعقيد المفاوضات فحسب، بل في دفع صانعي القرار إلى بناء حساباتهم على أسوأ الاحتمالات، فما يتخذه أحد الطرفين إجراءً احترازياً لتقليل المخاطر، قد يقرأه الآخر دليلاً على نية عدائية، فيرد بخطوة تعزز بدورها المخاوف الأولى. وبذلك، لا تكمن المشكلة في أن واشنطن وطهران تتصرفان بلا حساب، بل في أن كلاً منهما يتصرف بعقلانية استناداً إلى صورة غير مكتملة عن نوايا الآخر، فتتحول الإجراءات المصممة لتعزيز الأمن إلى مصدر لمزيد من الشك، ويصبح الغموض نفسه عاملاً يعيد إنتاج التصعيد الذي يسعى الطرفان إلى احتوائه.
وفي عمق هذه المفارقة، لا تكمن المعضلة المحورية في غياب العقلانية، بل في البيئة التي تُمارس داخلها، بما يجعل القرار المحسوب من أحد الطرفين مصدراً للتهديد في نظر الآخر. ومن ثم، فإن كسر دائرة التصعيد لا يتطلب مزيداً من الضغط، بقدر ما يحتاج إلى قنوات اتصال موثوقة، وآليات تحقق تقلص مساحة الغموض، ووساطة شبكية قادرة على تصحيح سوء الإدراك، قبل أن يترسخ في حسابات تقود إلى قرارات يصعب التراجع عنها. وهنا تتجسد مفارقة سوء التقدير العقلاني في صورتها الأكثر خطورة، فقد لا ترى واشنطن أو طهران في الحرب خياراً عقلانياً، ومع ذلك قد تقتربان منها عبر سلسلة من القرارات التي يتخذها كل طرف، في الأصل، لحماية أمنه وتجنب المواجهة. فالحروب لا تبدأ دائماً لأن الأطراف تريدها، أحياناً تبدأ لأن كل طرف كان أكثر ثقة مما ينبغي في صحة حساباته وقدرته على التحكم في نتائجها.

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...

حافة الهاوية: إدارة الصراع في المنطقة الرمادية

في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...

من الصراع الصفري إلى الرابح - الرابح.. حدود التسوية في المواجهة الأمريكية - الإيرانية

رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...

القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة

أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...

الغموض البنَّاء: من أداة دبلوماسية لإنهاء الصراع إلى إستراتيجية لإدارة الردع

لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...

إستراتيجية الخروج: آليات اتخاذ القرار ومنطق الفوضى

تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...

إنهاء الحرب مقابل إنهاء الحرب

لم يعد «إنهاء الحرب» في النزاعات يشير إلى لحظة حاسمة تُطوى فيها المواجهة بنتيجة نهائية واضحة، بل مفارقة إستراتيجية مركبة: فإما أن يُفهم بوصفه سعيًا لتفكيك قدرات الخصم بشكل جذري، أو كنهج يهدف إلى ضبط...

التوازن الهش بين الردع والتصعيد.. إعادة التفكير في معضلة الأمن

تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين...

التصعيد المُدار: حين تُستبدل معادلة النصر بمنطق الكلفة

لم تُعد الحروب تُدار بعقلية الحسم العسكري التقليدي، بل وفق منطق إدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأساسي هو احتواء التصعيد وتوجيهه بدلاً من السعي إلى انتصار نهائي. فالسؤال أصبح غير مرتبط بمن سينتصر؟ بل بات...