

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها، فتبدو القوة وكأنها حققت غايتها، لكنها لا تضمن وحدها بناء واقع سياسي أكثر أمناً. ومن هنا، لا يعود السؤال: ماذا ربحت الدولة اليوم؟ بل ماذا سيصنع هذا الربح في اليوم التالي؟ فقد يؤدي الانتصار إلى إطالة أمد المواجهة، كما قد يدفع إضعاف الخصم إلى تبني خيارات أكثر خطورة، فتتحول المكاسب المحسوبة، مع مرور الوقت، إلى بيئة أكثر تعقيداً من تلك التي بدأت فيها الأزمة. وعند هذا الحد تحديداً يفترق منطق التكتيك عن منطق الاستراتيجية، فالأول ينشغل بكيفية كسب الجولة، بينما تنظر الثانية إلى ما إذا كان هذا الفوز قد قرب الدولة من غايتها السياسية أم أبعدها عنها، فليس كل نجاح في المواجهة انتصاراً بالمعنى الاستراتيجي، وقد تبدأ بعض أشكال الفشل من مكسب يبدو، في لحظته الأولى، جديراً بالاحتفاء.
تجسد المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران هذه المفارقة بوضوح، فواشنطن تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً يمكنها من استهداف القدرات الإيرانية، وتشديد العقوبات على الشبكات التي تسهم في تمويل طهران وإعادة بناء قدراتها. ومن منظور عملياتي، تعكس هذه الإجراءات قدرة الولايات المتحدة على رفع كلفة المواجهة وإضعاف خصمها، غير أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى مكسب سياسي قابل للاستمرار. وفي المقابل، تواجه طهران المعضلة ذاتها من زاوية مختلفة، إذ توظف موقعها الجغرافي وقدراتها غير المتكافئة، للتأثير في أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والمصالح الإقليمية، بما يمنحها أوراقاً تفاوضية تتجاوز وزنها العسكري التقليدي. وهكذا، قد ينجح الطرفان في فرض تكاليف متبادلة وتحقيق مكاسب محددة، لكن حصيلة هذه التحركات قد تقودهما في النهاية إلى واقع أكثر اضطراباً وأشد تقييداً لخياراتهما.
تكشف هذه المفارقة عن معضلة أوسع في كيفية قياس النجاح، فالحكومات تستطيع إحصاء الأهداف المدمرة، والسفن المعطلة، والصواريخ المعترضة، والعقوبات المفروضة، لكنها لا تستطيع بالسهولة ذاتها تقدير التداعيات السياسية والاستراتيجية التي تترتب على هذه الإجراءات، فالخصوم لا يستجيبون للضغط وفق مسار ثابت، بل يعيدون ترتيب خياراتهم في ضوء ما يفرضه من تحديات وفرص. ومن ثم، لا يمكن قياس قيمة أي خطوة بما تحققه في لحظتها فحسب، وإنما بما تتركه من آثار وما تستدعيه من ردود فعل قد تعيد تشكيل المشهد بأكمله. فإذا كانت حصيلة المكاسب الميدانية مزيداً من التصعيد، وارتفاعاً في الكلفة، واتساعاً في دائرة عدم الاستقرار، فإن التفوق، مهما بدا حاسماً، لا يكفي وحده للحكم على نجاح الاستراتيجية، فالنجاح الحقيقي لا يتجسد في القدرة على تحقيق المكسب، بل في طبيعة البيئة التي يخلفها ذلك المكسب وراءه.
فالقيمة الاستراتيجية لأي نجاح لا تتمحور حول حجم المكاسب المباشرة التي يحققها، بل بقدرته على إنتاج نتائج سياسية تخدم مصالح الدولة على المدى البعيد، من خلال توظيف ما راكمته من أوراق قوة لتقليص المخاطر، وإعادة تشكيل حسابات الطرف الآخر، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لتسوية قابلة للاستمرار. وتحديداً هنا يتمثل فخ النجاح التكتيكي أن تواصل الدولة ممارسة الضغط لأنها تملك القدرة عليه، من دون أن تدرك متى يصبح استمرار هذا الضغط عائقاً أمام الغاية التي تسعى إليها. لذلك، يرتكز الاختبار الأصعب في إدراك اللحظة التي يصبح فيها تحويل النفوذ إلى مكسب سياسي أكثر أهمية، من إحراز انتصار جديد.
تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...
الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...
تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....
لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...
في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...
رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...
أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...
لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...
تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...
لم يعد «إنهاء الحرب» في النزاعات يشير إلى لحظة حاسمة تُطوى فيها المواجهة بنتيجة نهائية واضحة، بل مفارقة إستراتيجية مركبة: فإما أن يُفهم بوصفه سعيًا لتفكيك قدرات الخصم بشكل جذري، أو كنهج يهدف إلى ضبط...
تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين...
لم تُعد الحروب تُدار بعقلية الحسم العسكري التقليدي، بل وفق منطق إدارة المخاطر، حيث يصبح الهدف الأساسي هو احتواء التصعيد وتوجيهه بدلاً من السعي إلى انتصار نهائي. فالسؤال أصبح غير مرتبط بمن سينتصر؟ بل بات...