alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 14

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 23 أغسطس 2026
عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام
رأي العرب 24 أغسطس 2026
قطر والتعليم خارج حدودها
عبده الأسمري 22 أغسطس 2026
الوجوه والأماكن وعلم النفس الثقافي

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

24 أغسطس 2026 , 10:33م

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة تعيد صياغة هذه المعادلة على نحو أكثر تعقيدًا. إذ قد يوفر طرف لفاعل من غير الدول السلاح والتمويل والخبرة، من دون أن يعني ذلك خضوعه الكامل لسيطرته، بينما يحتفظ الوكيل بهامش من الاستقلالية في قراراته وتحركاته مستفيدًا في الوقت نفسه، من موارد داعمة اخرى. وفي ظل هذه العلاقة، لا تعود المسؤولية متمركزة في قيادة واحدة، بل تتوزع عبر شبكة متداخلة من الفاعلين ودرجات متفاوتة من النفوذ والسيطرة، فسؤال الأكثر تعقيدًا: من الطرف الذي ينبغي أن تتغير حساباته حتى يتحقق الردع؟
فعندما تطلق جماعة مسلحة صواريخ أو تنفذ هجومًا، لا تقتصر معضلة الدولة المستهدفة على تحديد هوية المنفذ، بل تمتد إلى تقدير طبيعة العلاقة التي تربطه براعيه وحدود مسؤولية الأخير عن الفعل. فهل كان الراعي على علم مسبق بالهجوم؟ وهل شارك في اتخاذ القرار أو وافق عليه؟ أم أن دوره اقتصر على توفير القدرات والموارد التي مكنت الوكيل من تنفيذه دون توجيه مباشر؟ هنا تصبح كيفية الرد أكثر تعقيدًا، إذ إن استهداف الوكيل وحده قد يفرض عليه كلفة آنية، لكنه يتيح للراعي استيعابها من دون المساس بالبنية التي سمحت بوقوع الهجوم أساسًا. وفي المقابل، قد يؤدي استهداف الراعي مباشرة إلى افتراض أن امتلاكه النفوذ يعني بالضرورة سيطرته الكاملة على سلوك الوكيل، بما يفتح الباب أمام تصعيد قد يتجاوز حدود مسؤوليته الفعلية. ومن ثم، لم يعد الردع مجرد تحديد للطرف الذي ينبغي معاقبته، بل أصبح عملية دقيقة لتقدير درجات المسؤولية والنفوذ والسيطرة، وتحديد الطرف الذي يمكن لتغيير حساباته أن يمنع تكرار الهجوم.
يقوم الردع بالعقاب، في جوهره، على افتراض أن الخصم يمتلك مصالح وأصولًا ذات قيمة يخشى خسارتها، وأن التهديد بإلحاق الضرر بها كفيل بالتأثير في حساباته وسلوكه. فالدول تمتلك أراضي وبنى تحتية ومصالح اقتصادية ومؤسسات وشرعية سياسية، وهي جميعها عناصر تدخل في تقدير كلفة التصعيد. غير أن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا عند التعامل مع الوكلاء، فعلى الرغم من إمكانية استهداف قياداتهم وقدراتهم العسكرية ومصادر تمويلهم، تمنحهم بنيتهم التنظيمية المرنة قدرة أكبر على امتصاص الخسائر والتشتت وإعادة بناء قدراتهم. وبناء على ذلك، فإن ما قد يشكل خسارة استراتيجية يصعب على دولة تحملها، قد يعامل لدى وكيل مسلح بوصفه كلفة يمكن استيعابها والتكيف معها. وهنا تظهر أحد أبرز معضلات الردع في حروب الوكالة، فالكلفة ذاتها لا تحمل القيمة نفسها لدى جميع الفاعلين، وبالتالي لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير حساباتهم بالقدر ذاته.
وتبرز هنا إحدى المفارقات الأساسية في حروب الوكالة، فالقدر نفسه من اللامركزية الذي يمنح الوكيل مرونة أكبر في الحركة والقدرة على الصمود، يوفر للراعي في المقابل مسافة تفصله عن الفعل وتحد من مسؤوليته المباشرة عنه. فالراعي يستفيد من الضغط الذي يمارسه الوكيل من دون أن يتحمل بالضرورة كامل تبعات سلوكه، بينما يستفيد الوكيل من الموارد والدعم اللذين يعززان قدراته، مع احتفاظه بهامش من الاستقلالية في القرار. وتوفر هذه المعادلة للطرفين مساحة من الغموض الاستراتيجي، لكنها تحمل في داخلها ما يعرف بمشكلة الوكالة، فكلما اتسع هامش الاستقلال الممنوح للوكيل بما يتيح للراعي الحفاظ على إمكانية الإنكار، تراجعت في المقابل قدرة الأخير على ضبط سلوكه والتحكم في مسار التصعيد. 
ومن هنا، ينبغي التمييز بين إلحاق الضرر التكتيكي وتحقيق الردع الاستراتيجي، فتدمير القدرات أو استهداف القيادات وشبكات التمويل قد يحد من قدرة الوكيل مؤقتًا، لكنه لا يضمن تغيير الحوافز السياسية التي تحرك سلوكه، كما أن توقف الهجمات لا يمثل في حد ذاته دليلًا على نجاح الردع إذا أمكن نقل الضغط إلى وكيل آخر أو ساحة مختلفة. لذلك، تبدأ استعادة فاعلية الردع بفهم شبكة العلاقات التي أنتجت السلوك وتحديد مواضع النفوذ والمسؤولية داخلها، بدلًا من البحث عن هدف واحد لمعاقبته، ففي حروب الوكالة، لم يعد الخصم فاعلًا واحدًا، بل شبكة متغيرة من الرعاة والوكلاء والمصالح، وحين يتحول الخصم من فاعل إلى شبكة، لا بد أن تتغير معه معادلة الردع: من نردع، وكيف، وأين.

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...

حافة الهاوية: إدارة الصراع في المنطقة الرمادية

في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...

من الصراع الصفري إلى الرابح - الرابح.. حدود التسوية في المواجهة الأمريكية - الإيرانية

رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...

القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة

أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...

الغموض البنَّاء: من أداة دبلوماسية لإنهاء الصراع إلى إستراتيجية لإدارة الردع

لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...

إستراتيجية الخروج: آليات اتخاذ القرار ومنطق الفوضى

تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...

إنهاء الحرب مقابل إنهاء الحرب

لم يعد «إنهاء الحرب» في النزاعات يشير إلى لحظة حاسمة تُطوى فيها المواجهة بنتيجة نهائية واضحة، بل مفارقة إستراتيجية مركبة: فإما أن يُفهم بوصفه سعيًا لتفكيك قدرات الخصم بشكل جذري، أو كنهج يهدف إلى ضبط...

التوازن الهش بين الردع والتصعيد.. إعادة التفكير في معضلة الأمن

تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين...