


عدد المقالات 369
تمر هذه الأيام الذكرى السادسة والأربعون لقمة الخرطوم التي عرفت بقمة اللاءات الثلاث، حيث خرجت القمة ببيان أكد ألا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، وقد كانت تلك اللاءات ذات مدلولات عظيمة في ذلك الظرف، حيث عقد المؤتمر بعد هزيمة عسكرية مزلزلة قد توحي للعدو بأن أوان الانكسار قد حان، فكانت اللاءات أقوى رد بأن الأمة لن تنكسر، وأنها تلملم شتاتها وتضمد جراحها ولا تترنح بضربة مهما كانت موجعة. انعقدت القمة وبين بعض الزعامات العربية خلافات ومرارات أبرزها الخلاف بين الملك فيصل والرئيس عبدالناصر خاصة بعد حرب اليمن التي دارت في ميدان يمثل المعركة بين فكر ناصري يحسب لنفسه التقدمية، وفكر محافظ يخشى على المنطقة مما يعتبره أفكاراً وافدة هدامة. لم يكن ممكناً حدوث تقارب بين تلك الزعامات، ولكن حنكة القيادة السودانية الممثلة في السيدين إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب قد استطاعت أن تخرج بالقمة وسط تلك الأنواء إلى بر النجاح، حيث أدار الأزهري جلسات المؤتمر بخبرة من حضر باندونق، وأفلح المحجوب في عقد مصالحة تاريخية بين الرئيس عبدالناصر والملك فيصل، وكان لموقف ملك السعودية الأثر المباشر في سهولة اتخاذ الكويت وليبيا مواقفهما الداعمة للمجهود الحربي ومساندة مصر حتى تجتاز آثار العدوان. مرت الأيام والسنين وتبدلت الأحوال بعد أن حقق العرب نصرهم في أكتوبر، فظهرت آراء تدعو لعدم هدر الجهود في حرب لن تنتهي مع دولة زرعها الغرب وسوف يتعهدها بالرعاية ما دامت تمثل رأس الرمح في نشر ثقافته وحضارته، ولن يسمح بزوالها من الوجود ولو بنيت على باطل.. لم يكن سهلاً على دول المواجهة أن تتفرغ لحرب بلا نهاية ترجى قريباً. ولم يكن ممكناً أن تدع هذه الدول مشاريع التنمية لتجعل ميزانياتها موازنات للحرب، حيث تصرف جل الواردات -على قلتها- على شراء الطائرات والراجمات والمدافع.. على هذه الأسس الجديدة ظهرت دعوات التسوية، وظهرت أيضاً أصوات خافتة لا ترى في إسرائيل شراً محضاً خاصة عند مقارنة الديمقراطية الإسرائيلية بأنظمة الطغيان العربية، وأعان طول البقاء إسرائيل على الترويج لمزاعمها بعد أن أصبحت أمراً واقعاً يستحيل معه إجلاء شعب ولد جله في الأرض المحتلة.. مع هذا الواقع الجديد وقعت مصر اتفاق سلام مع إسرائيل ثم وقعت الأردن اتفاقاً شبيهاً، وأقامت دول عربية بما فيها مصر علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وأصبح مبنى السفارة الإسرائيلية عادياً في القاهرة أو عمان أو نواكشوط، وشارك رئيس الوزراء الإسرائيلي بيريز في جنازة الملك الحسن.. وهكذا أصبح الوجود الإسرائيلي مألوفاً في الأرض العربية، بل وأصبحت المصافحة بين عرفات ورابين أو بين محمود عباس وأولمرت شيئاً لا يدعو للعجب.. فهل تعني هذه التحولات أن قمة الخرطوم كانت بلا جدوى؟ نجيب بكل ثقة أن قمة الخرطوم لن تفقد أهميتها، وسوف تظل قيمة باقية لأنها -شأنها شأن كل حدث سياسي- يجب أن تقيم بالمعايير والظروف التي انعقدت فيها، لم يكن من الحكمة في شيء، بل كان عاراً لو تخاذل العرب يومها وسارعوا للصلح مع إسرائيل، لأنها قهرتهم في الحرب، كانت لاءات الخرطوم المقال الذي يناسب المقام. وكان استقبال الشعب السوداني الكبير للرئيس عبدالناصر الرد الأبلغ والدليل على أن هذا الشعب لن ينهزم، كما قال عبدالناصر نفسه وقد تأثر أيما تأثر بالاستقبال الذي وجده في السودان. ويحق للشعب السوداني أن يفخر على مر الدهور بأن الخرطوم قد احتضنت تلك القمة التاريخية التي اجتاز بها العرب أخطر عقبة سياسية في تاريخهم. وأنها القمة التي أزالت الخلافات والمرارات حتى خرج الجميع متضامنين. تشاء المصادفات أن تمر ذكرى الزعيم إسماعيل الأزهري قبل أيام قلائل من ذكرى قمة الخرطوم التي أسهم الزعيم إسهاماً عظيماً في إنجاحها بما عرف عنه من حكمة وحنكة، فالتحية للأزهري في ذكراه والتحية للمحجوب ولكل أبناء هذا الشعب العظيم الذي أنجب أولئك القادة الحكماء والذي خرج في جموع هادرة يحيي قادة العرب وهم يتوافدون للقمة التاريخية التي سوف تظل مفخرة للسودان وللسودانيين على مر الأيام.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...