


عدد المقالات 214
كما رأينا في المقال السابق؛ يتضمن نموذج اتخاذ القرار العقلاني استخدام تسلسل واضح من الخطوات لمعالجة المشكلة المطروحة. ينظر في هذا النموذج على أنه نقيض للنموذج الحدسي في اتخاذ القرارات.
العودة إلى تاريخ مفهوم «اتخاذ القرارات»
في وقت ما في منتصف القرن الماضي، استورد « تشيستر بارنارد Chester Barnard «، وهو مدير تنفيذي متقاعد ومؤلف كتاب «وظائف السلطة التنفيذية The Functions of the Executive «، مصطلح «صنع القرار» من قاموس الإدارة العامة إلى عالم الأعمال. وهناك بدأ عالم الاعمال في استبدال المصطلحات مثل «تخصيص الموارد» و «صنع السياسات» في حديثه عن صنع القرار.
لقد غيّرت مقدمة هذه العبارة طريقة تفكير المديرين والقادة على حدٍ سواء وأثارت تساؤلات جديدة في عالم الأعمال وأججت الرغبة في الاستنتاج وفهم القرار الإداري، كما يقول « ويليام ستاربوك William Starbuck»، الأستاذ المقيم في كلية تشارلز إتش لوندكويست للأعمال بجامعة أوريغون (University of Oregon’s Charles): «يمكن أن تستمر عملية صنع السياسات إلى ما لا نهاية، وهناك دائمًا موارد يجب تخصيصها». «القرار» يعني نهاية المداولات وبداية العمل».
لذلك وضع بارنارد - ومنظرون لاحقون مثل جيمس مارش، وهربرت سيمون، وهنري مينتزبرج (James March, Herbert Simon, and Henry Mintzberg )- الأساس لدراسة صنع القرار الإداري. لكن صنع القرار داخل المنظمات ليس سوى واحد في التيارات المتدفقة من الأفكار في مواجهة عدم اليقين والغموض والتشويش. يذكرنا ألبير كامو قائلاً: «الحياة هي مجموع كل اختياراتك». فالتاريخ، من خلال الاستقراء، يساوي الخيارات المتراكمة للبشرية جمعاء.
وبالتالي، فإن دراسة صنع القرار هو حقيقة دراسة مجهرية للتخصصات الفكرية مثل: الرياضيات وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والعلوم السياسية، وحتى الإحصاء على سبيل المثال لا الحصر.
الفلاسفة يتأملون ماذا تقول قراراتنا عن أنفسنا وعن قيمنا. يقوم المؤرخون بدراسة مجهرية للقرارات التي يتخذها القادة في المنعطفات الحرجة. ينبع البحث في المخاطر والسلوك التنظيمي من رغبة الباحثين في مساعدة المديرين والقادة على تحقيق نتائج أفضل. وعلى الرغم من أن القرار الصائب لا يضمن نتيجة جيدة دائماً، فإن هذه النظرة قد آتت أُكلها. التطور المتزايد في إدارة المخاطر، والفهم الدقيق للسلوك البشري، والتقدم في التكنولوجيا التي تدعم العمليات، قد حسن عملية صنع القرار في العديد من المواقف.
في الواقع، على مر السنين كنا نتعامل بثبات مع القيود التي يفرضها السياق والعوامل الذاتية على قدرتنا على اتخاذ الخيارات المثلى. يجادل « سايمون « بأن الظروف المعقدة والوقت المحدود وقدراتنا العقلية غير الكافية تؤدي بصانعي القرار إلى حالة من «العقلانية المحدودة».
متى ينجح النموذج العقلاني في اتخاذ القرارات ؟
يعمل النموذج العقلاني بشكل جيد عندما تحتاج إلى إدارة المخاطر (Risk Management ) أو عدم اليقين، حيث يسمح لك بمقارنة الحلول بموضوعية مع النتائج المرجوة واتخاذ الخيار الأكثر أمانًا وخاصة أنها تتم في المكاتب وأثناء فترات الرخاء وبدون وجود ضغوط أو أزمات، وتنجح في مرحلة التخطيط خاصة في إدارة المشاريع.
متى لا ينجح النموذج العقلاني في اتخاذ القرارات؟
هذا النموذج أقل ملاءمة إذا كانت مشكلتك تعتمد على الوقت وتحتاج إلى اتخاذ قرار سريع. يعتمد اتخاذ القرار العقلاني أيضًا على حصولك على صورة كاملة للمقاييس المعنية، وبالتالي فهو غير مناسب إذا كنت تفتقد المعلومات الأساسية. ولذا، فقد تعرض النموذج العقلاني – الذي ذكرناه في المقال السابق - لمجموعة انتقادات، حيث انتقد بعض العلماء والممارسين عملية اتخاذ القرار. فهو يقدم افتراضات عديدة حول الوضع والسياق والأفراد. فهو يفترض أن صانع القرار قادر على فهم الموقف بشكل كامل والآثار المترتبة عليه ولديه معلومات كافية لاتخاذ القرار العقلاني. كما يفترض أن القادة قادرون على تحديد الخيارات المتاحة بشكل جليّ ومن ثم الاختيار الحل الأمثل. ومن الانتقادات البارزة أن هذا النموذج لا يُظهر تأثير التحيزات على عملية صنع القرار. أخيرًا، يفترض أن القادة يبحثون عن القرار الأمثل، بدلاً من البحث عن مرضٍ لهم.
يضيف آخرون بأن اتباع مثل هذه العملية التفصيلية أمر مرهق للغاية، فهو يتطلب الكثير من الوقت في جمع المعلومات وتقييم الموقف وببساطة، يمكن أن يؤدي إلى الفشل في التوصل إلى قرار في الوقت المناسب.
فما هو البديل المقترح ؟ هذا ما سوف نناقشه في المقال القادم.
@hussainhalsayed
في مقالاتنا الأربعة السابقة من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تعمقنا في تفكيك «تحدي السندويش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي»، وآليات «التأثير الأفقي «، وفن «إدارة العلاقة صعوداً». واليوم، نصل إلى دور هو الأهم في بناء الثقافة...
في المقالات الثلاث الأولى من سلسلة «القيادة من المنتصف»، ناقشنا كيفية التعامل مع «تحدي السندويتش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي» في تفكيك الشعارات الكبرى، وآليات «القيادة بلا صلاحيات» للرد والتأثير أفقياً مع الأقران. واليوم، نصل إلى...
في المقالين السابقين من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تناولنا كيفية الخروج من « تحدي السندويتش الإداري» ، ثم انتقلنا إلى مهارة «المترجم الاستراتيجي» في تحويل الرؤى الكبرى إلى مهام تشغيلية. واليوم، نصل إلى اختبار إداري...
في مقالنا الأول من سلسلة «القيادة من المنتصف»، فككنا أبجديات الخروج من «تحدي السندويتش الإداري» وكيفية إدارة الضغط المزدوج بين الإدارة العليا والميدان التشغيلي. واليوم، ننتقل لبناء أحد أهم المهارات النوعية التي تنقل قائد المنتصف...
تحدي «السندويتش الإداري».. كيف يدير قائد المنتصف الضغط المزدوج؟ إذا كانت الإدارة العليا هي «الرأس» الذي يرسم الرؤى والتوجهات الاستراتيجية، وكانت الطواقم التشغيلية هي «الأيدي» التي تنفذ المهام الميدانية، فإن مدراء الإدارة الوسطى ورؤساء الأقسام...
على مدار تسعة مقالات متتالية من سلسلة «سنة أولى قيادة»، فككنا معاً الخريطة السلوكية والنفسية للتحديات التي تواجه القادة الجدد؛ من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، وتحول «الهوية المهنية»، وضبط «حماس التغيير المتسرع»، وممارسة «الذكاء...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً كاملاً في تشريح التحولات الجوهرية للقيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية»، وكبح جماح «التغيير المتسرع»، واختبار «الذكاء...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، فككنا التحديات الهيكلية والسلوكية التي تشكل الوعي الإداري للقائد الجديد؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية «، وكبح جماح «التغيير المتسرع»،...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً مهماً في تفكيك التحولات الهيكلية والنفسية التي تشكل تجربة القيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية المهنية من...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. وفي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. التحدي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التنفيذية والسيكولوجية التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، واليوم، نصل إلى أعمق هذه التحديات وأكثرها حساسية على الإطلاق: تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. قد يكتشف القائد...