alsharq

د. محمد أنس أرناؤوط

عدد المقالات 1

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا
د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين 22 أكتوبر 2026
تأملات في إعجاز القرآن: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ»
رأي العرب 23 أكتوبر 2026
تقدير أمريكي لدور قطر في الوساطة

على قدر أهل العزم

09 أكتوبر 2026 , 12:42ص

حين كتب أبو الطيب المتنبي مطلع قصيدته الشهيرة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، لم يكن يدور في خَلَده أن «العزم» سيتحول يوماً ما من مجرد بيت شعر إلى هوية وطنية نابضة، تُقاس بها نبضات قلب مجتمع بأكمله كما نراه اليوم في قطر، ومع العام الدراسي الحالي، نشهد تحولاً استثنائياً يتجاوز المفهوم التقليدي والجامد لـ «المسؤولية المجتمعية»، ليصبح طاقة إنسانية دافئة تدبّ في أروقة مدارسنا، نابعة من محرك واحد وأصيل: المسؤولية الذاتية والوعي الإنساني الذي يسكن وجدان كل مواطن ومقيم.
إن حب الخير ومد يد العون في الشخصية القطرية لم يكن يوماً مجرد سلوك عابر، أو واجب إداري تُمليه القوانين واللوائح، بل هو أشبه بـ «جين حضاري» متوارث، يظهر في أبهى صوره عند الشدائد وفي المبادرات الإنسانية، واليوم، تحولت المدارس في قطر إلى خلايا نحل لابتكار تكافلي غير مسبوق؛ فلم يعد تقديم الدعم مجرد تبرع مالي ينتهي بانتهاء غرضه، بل أصبح استراتيجية لبناء الإنسان، تقودها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي ويحتضنها المجتمع بوعي ذاتي، بهدف غرس قيم التضامن في نفوس أطفالنا منذ خطواتهم الأولى.
ولا يمكن قراءة هذا العطاء بمعزل عن الغرس المبارك لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله تعالى الذي رسّخ في وجدان المجتمع القطري قيم التكافل ونجدة الملهوف كركيزة للهوية الوطنية. فقد حوّل سموه رحمه الله حب الخير من مبادرات فردية إلى نهج مؤسسي مستدام تنبض به أجيال اليوم، لتظل قطر دائماً كعبة للمضيوم ومنارة للإنسانية.
تتجلى روعة المشهد الإنساني القطري في هذا التلاحم العفوي الفريد؛ فالجميع هنا يبادر من تلقاء نفسه، مدفوعاً ببوصلته الأخلاقية دون انتظار توجيه أو تكليف رسمي، نرى المسؤولين في أعلى الهرم الوظيفي يغادرون مكاتبهم ليشاركوا ميدانياً في دعم المبادرات التعليمية داخل المدارس، مقدمين نموذجاً حياً للقدوة أمام الطلاب، وفي المقابل، يتسابق أولياء الأمور، والمعلمون، والإداريون، والمتطوعون لتقديم كل ما يملكون من دعم مادي ومعنوي ولوجستي. والهدف ألا يُترك طالب واحد خلف الركب، سواء كان ذلك بتوفير أحدث التقنيات التعليمية لمن يحتاجها، أو برعاية الفئات الأكثر احتياجاً، أو حتى بمد يد العون لمدارس شقيقة في مناطق نامية حول العالم عبر توأمة إنسانية تعكس الوجه المشرق لدولة قطر.
وفي قلب هذا الحراك، تقف المرأة القطرية كعادتها الراسخة، لتكون العصب المحرك والروح الحانية لهذه النهضة التكافلية؛ فبلمساتها الإنسانية وقدرتها العالية على التنظيم، تقود مبادرات نوعية لتعزيز الصحة النفسية والدمج الأكاديمي للطلاب. وبجانبها، يقف الرجل القطري بجاهزيته المعهودة وسنده المتين، ليدعم هذه البيئات تعليمياً وتربوياً ويحمي مكتسباتها.
هذا الحراك الإنساني الشامل ليس مجرد شعارات، بل هو تجسيد لروح «الفزعة» القطرية الأصيلة في ثوبها العصري. روح لا تكتفي بتشييد جدران المدارس الحديثة، بل تبني وتصقل الإنسان المعطاء القادر على قيادة المستقبل. وعندما تتكامل هذه المسؤولية الذاتية النابعة من قلب الفرد مع الدعم المؤسسي، فإننا لا نبني نظاماً تعليمياً فحسب، بل نقدم للعالم نموذجاً حياً يؤكد يوماً بعد يوم، أن العزائم العظيمة لا تخرج إلا من تلاحم أهل العزم.