


عدد المقالات 203
في مقالنا السابق، تحدثنا عن ظاهرة النجوم واحتراقها في بيئة العمل، في هذا المقال سوف نتحدث عن محور يمسّ وتراً حساساً جداً في الفكر الإداري الحديث، ويُعرف عالمياً بـ «لعنة الكفاءة». بداية، السؤال المهم لماذا تقع الإدارات والقيادات في فخ تحميل النجم فوق طاقته؟ حقيقة أن الوقوع في هذا الخطأ غالباً لا ينبع من سوء نية، بل من ممارسات إدارية غير واعية، تبررها ثلاثة أسباب رئيسية: • استسهال المدير لمنطقة الراحة: حيث المدير يقع تحت ضغط الوقت والنتائج ومتطلبات الإدارة العليا، وعندما تظهر مهمة حرجة، يتجه عقله تلقائياً إلى الموظف النجم لأنه يضمن النتيجة والسرعة والدقة في الأداء. الإدارة هنا تختار الطريق الأقصر لراحتها على حساب طاقة الموظف. • «عقوبة الكفاءة» وغياب العدالة التوزيعية: في بعض البيئات، يُعاقَب المتميز بزيادة العمل، بينما يُكافَأ الموظف المتكاسل بنقل المهام منه إلى غيره بحجة أنه لا يستطيع، لا يعرف تنفيذ العمل، ذلك الموظف ضعيف ويحتاج إلى تدريب. هذا الخلل يحوّل الإنتاجية العالية إلى عبء على صاحبها، ونتيجة لذلك فإن النجوم المتلألئة تبدأ في الاحتراق المهني وتبحث عن الهروب. • إدارة الأفراد لا إدارة المنظومة: كثير من الإدارات تفشل في بناء ما يُعرف بنظام عمل مؤسسي محترف، وتعتمد بدلاً من ذلك على النجوم أو الأبطال الخارقين. ففي غياب الحوكمة الواضحة وتوصيف المهام المرن يجعل المؤسسة رهينة لجهد المتميزين فقط. السؤال الجوهري هنا: ما أثر هذا السلوك على بيئة العمل؟ هذا السلوك الإداري وآثاره التدميرية تتجاوز الموظف نفسه لتطول المنظومة كاملة: • تحول بيئة العمل إلى الاتكالية الصامتة: عندما يرى بقية الموظفين أن زميلهم المتميز يحمل العبء الأكبر، يتولد لديهم شعور بالراحة لعدم العطاء، ويبدأ ينمو مبدأ خطير في الفريق: «لماذا أجتهد وأتميز إذا كان التميز سيجلب لي المزيد من الصداع والمزيد من التعب؟» • قتل بيئة الإبداع وتحويل النجوم إلى الآلات انتاج: التميز يحتاج إلى مساحة ذهنية للتفكير والابتكار، ولكن عندما يُغرق المدير هذا النجم بالتفاصيل والمهام اليومية المكررة، يتوقف عقله عن الإبداع، ويتحول من مبتكر ومبدع وصاحب أفكار إلى منفذ مرهق تنخفض جودة مخرجاته تدريجياً. • اختفاء المواهب: النجوم لا يبقون في بيئات تستنزفهم بلا تقدير حقيقي. الأثر الحتمي والأخطر هو الاستقالة المباشرة أو «الاستقالة الصامتة» بحيث يطفئ الموظف محركاته ويعمل بالحد الأدنى، أو الاستقالة الفعلية والانتقال إلى المنافسين. كيف نحقق التوازن بين الإنتاجية والصحة النفسية والجسدية؟ هذا السؤال يمثل بيت القصيد في الفكر الإداري الحديث؛ فالمعادلة لم تعد الإنتاجية أو الصحة النفسية، بل أصبحت الإنتاجية من خلال الصحة النفسية والجسدية. تحقيق هذا التوازن ليس مسألة حظ، بل هو ثقافة مؤسسية تُبنى من خلال أربع ركائز أساسية: • الانتقال من «ثقافة الحضور» إلى «ثقافة الأثر والنتائج»: المدير الذكي لا يقيس تميز النجم بعدد الساعات التي يقضيها وهو منهك وراء مكتبه، بل بجودة المخرجات وقيمتها. التركيز على الإنتاجية يمنح الموظف مساحة للتنفس وتجديد طاقته دون الإخلال بالعمل. • مأسسة حق الفصل الرقمي واحترام الحدود: من أكبر مسببات الاحتراق هو استمرار تدفق رسائل العمل والبريد الإلكتروني في أوقات الراحة والإجازات. وضع حدود صارمة تحترم وقت الموظف الخاص يتيح لجسده وعقله التعافي. • تبني القيادة بالتوجيه الشخصي (Coaching Approach): تحول المدير من دور المراقب وصاحب الأوامر إلى دور الموجّه والكوتش. هذا يعني عقد جلسات دورية لا لمتابعة المهام فقط، بل للاطمئنان على الإنسان خلف الموظف. • المرونة وإعادة تصميم الوظائف (Job Redesign): الإنتاجية المستدامة تشبه الماراثون بخلاف الجري سريعاً لمسافة قصيرة. ما هو الأثر المترتب على هذا التوازن؟ عندما تشعر النجوم بأن صحتها النفسية والجسدية خط أحمر للمؤسسة، يحدث تحول مذهل، حيث تتضاعف معدلات الولاء المؤسسي وتنخفض نسب الغياب المرضي وطلب الإجازات المفاجئة وتتحول بيئة العمل إلى مغناطيس جاذب لأفضل الكفاءات في السوق. ليتذكر القادة والمديرون أن الإنتاجية دون صحة نفسية هي استنزاف مؤقت ينتهي بالانطفاء، والصحة النفسية دون إنتاجية هي ركود. النجاح الحقيقي لأي مؤسسة هو أن تجعل موظفيها يقبلون على العمل بشغف، ويعودون إلى منازلهم بطاقة وصحة جيدة، فالموظف السعيد والمستقر نفسياً هو موظف ينتج أضعافاً وبحب. @hussainhalsayed
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التنفيذية والسيكولوجية التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، واليوم، نصل إلى أعمق هذه التحديات وأكثرها حساسية على الإطلاق: تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. قد يكتشف القائد...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي. وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي» ثم حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن»، واليوم حديثنا حول «تحقيق إنجازات سريعة». في المقالين السابقين،...
في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي، وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي»، واليوم حديثنا حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن». عندما يكون ملف الإنجاز الذاتي هو المحرك الأساسي...
تشهد البيئة المؤسسية في دولة قطر حراكاً تطويرياً متسارعاً، يتزامن مع تمكين كفاءات وطنية واعدة تبوأت مناصبها القيادية بناءً على سجل حافل بالتميز والإنجاز الفردي. هؤلاء القادة الجدد، الذين لا تتجاوز خبرتهم القيادية ثلاث سنوات...
في أروقة المكاتب الفاخرة ذات الإطلالات البانورامية، وراء شاشات العرض التي تضج بالرسوم البيانية والبيانات الصماء، تُولد الكثير من الأفكار، أفكار رائعة، أفكار خلابة، أفكار مثالية. يجتمع القادة والمخططون، يرسمون ملامح المستقبل، ويطلقون استراتيجيات ومبادرات...
في عالم يتسارع فيه كل شيء، وتتراكم فيه الخيارات أمامنا حتى التخمة، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في حالة ذهنية خانقة تُعرف بـشلل القرار. ويقصد به تلك الحالة التي يقف فيها الإنسان عاجزاً عن اختيار بديل،...
اليوم حديثنا عن ظاهرة حديثة نسبياً في بيئات العمل، وبدأ الحديث عنها في الفكر الإداري الحديث. اكتب اليوم عن النجوم في بيئة العمل وظاهرة « احتراق النجوم «. النجوم في بيئة العمل ليس مجرد أشخاص...
بعد أن تحدثنا في مقالنا السابق عن مظاهر ثقافة نعم وتأثيرها على المؤسسات، اليوم نسلط الضوء على كيف نوازن بين احترام القيادة وتشجيع النقد الصريح دون أن يتحول الأمر إلى فوضى؟ تعد الموازنة بين الهيبة...
تعتبر بيئة العمل التي تسود فيها ثقافة «نعم سيدي» واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة؛ فهي ليست مجرد مظهر من مظاهر الاحترام أو الولاء المغشوشة، بل هي صمت تنظيمي مقنّع يغتال الإبداع ويحجب...
تحدثنا في مقال سابق عن الإدارة التفصيلية وأهم مزاياها وعيوبها، واليوم نتطرق إلى تطبيقات هذه الإدارة في بيئة الأعمال العربية. فعندما نرغب في فهم الإدارة التفصيلية في السياق العربي ونحاول إسقاط هذا المفهوم على بيئة...
تُعد الإدارة التفصيلية (Micromanagement) واحدة من أكثر المفاهيم الجدلية في عالم الإدارة والقيادة الحديثة. فبينما يراها البعض صمام أمان لضمان الجودة، يصفها خبراء التطوير المؤسسي بأنها مرض تنظيمي يستنزف الطاقات ويبدد المواهب. في هذا المقال...
تحدثنا في مقالات سابقة حول القيادة التحويلية، وفي هذا المقال سوف نتطرق إلى تأثير القيادة التحويلية على سياق الإدارة العربية، فعند تطبيق هذا النموذج في البيئة العربية، يجب مراعاة عدة نقاط جوهرية لضمان النجاح: 1....