


عدد المقالات 336
في الأسبوع الماضي استضافت جامعة قطر ندوة علمية نظمتها شبكة «زدني للتعليم» تناولت موضوعين مختلفين، أحدهما كان حول منهجية التعامل مع الآيات المتشابهات، والثاني كان حول خطاب الحرية في القرآن الكريم، ومع أن الموضوعين يبدوان كأنهما بعيدان عن بعضهما، إلا أن الندوة خرجت بنتيجة قد تكون مفاجئة لكثير من المهتمين والمتابعين. إن «الفتنة» التي حذّر القرآن من الوقوع فيها باتباع المتشابهات (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة..) إنما تكون بخلط المعاني بعضها ببعض حتى يصعب تمييز صحيحها من سقيمها، وغالباً ما يكون هذا الخلط مصحوباً بإغفال ثوابت القرآن ومحكماته ومقاصده، وقد استشهد الباحث هنا بأمثلة كثيرة من مثل محاولة بعض النصارى المؤلّهين لعيسى بن مريم -عليه السلام- للبحث عن سند لهم من القرآن الكريم في قوله تعالى (فنفخنا فيه من روحنا) لأنه إذا كان روح الله فهو إذاً غير مخلوق، متغافلين عن محكمات القرآن الكريم القطعية النافية للشرك بكل صوره، وأن الله خلق آدم وذريته بهذه الروح أيضاً (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)، وعليه فإن روح الله إنما هي الروح التي خلقها الله كما نقول: أرض الله، وسماء الله. ومن أمثلة التأويل الباطل للمتشابهات محاولة أهل الجبر الذين ينكرون الإرادة الإنسانية ويبطلون مسؤولية الإنسان عن خياراته وقراراته، الاستشهاد بمثل قوله تعالى (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء)، متغافلين أيضاً عن ثوابت القرآن ومحكماته القطعية في العدل وتحريم الظلم (وما ربك بظلام للعبيد)، وعقيدة الحساب والجزاء التي تنسب كل فعل لفاعله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) وعلى هذا يكون معنى الآية الأولى: أن الله يضل من يطلب الضلالة، ويهدي من يطلب الهداية، فالله بمشيئته المطلقة والعادلة رتّب النتائج على مقدماتها وأسبابها بالحق والعدل والحكمة وليس بالفوضى، تماماً كما أن من يشرب السمّ يهلك، ومن يشرب الدواء يشفى. في المحور الثاني تناول الباحث ما يمكن أن يشغب على مبدأ الحرية، بدءاً من هذه التصورات «الجبرية» التي تجعل الإنسان كأنه ريشة في مهب الريح، وانتهاء بمزاحمة مبادئ أخرى واختلاطها حتى يكون لأهل الزيغ منفذ للوصول إلى زيغهم في هذه المساحة الضبابية، ومثال ذلك من يسوّغ الاستبداد باسم الاستقرار وحفظ النظام، وعكسه من يدعو إلى الفوضى والتحلل باسم الحريّة. إننا إذاً في الجانبين، الديني والسياسي نعاني كثيراً من اختلاط المفاهيم، ومساحة الاختلاط هذه قد تتسع مع ضعف التكوين العلمي، وهبوط مستوى الوعي العام، إضافة إلى اختلال منظومة المعايير والقيم الحاكمة. إن النقد كقيمة تصحيحية كبرى تعترضه دائماً قيم أخرى مثل الحفاظ على هيبة العالِم أو وحدة الجماعة، أو استقرار الدولة، كما أن كرامة الفرد واحترام خصوصيته تزاحمه أيضاً القيم الأمنية والأعراف والتقاليد المجتمعية. إننا بين هذه المتشابهات نحتاج إلى الراسخين في العلم والخُلق والتقوى ليضبطوا لنا التوازن القويم وبوصلة الصراط المستقيم، أما الاستناد إلى المقولات العائمة والعواطف المجردة والمتقلبة، فإن هذا مظنة الزيغ والانحراف وطريق الفتنة ومجانبة الإنصاف.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...