الثأر لا يصنع دستوراً !!!
28 سبتمبر 2013 , 12:00ص
وكأنه كتب على مصر، ألا تنعم بالهدوء، رغم مرور أكثر من عامين ونصف، على ثورة 25 يناير. ولا تشعر بطعم الاستقرار أبدا. نفس البلد الذي تقبل حاكما فاسدا، وديكتاتورا طوال 30 عاما كاملة، تحمل فيها كل أصناف الظلم، قام بتغيير ثلاثة أنظمة ومثلها من الرؤساء خلال تلك الفترة القصيرة. مجلس عسكري لعام ونصف، هذا الشعب الذي لم يكن يهتم بالانتخابات، باعتبارها عمل الحكومة، وإشراف وزارة الداخلية التي تتصرف فيها كما تشاء، دخل أكثر من استحقاق انتخابي واستفتاء على الدستور مصر، التي تم حكمها بدساتير جامدة، لم يطلها التغيير سوى مرات محدودة، طوال الفترة من ثورة يوليو 1952، تفكر الآن في وضع الدستور الثاني. وفي مدة لم تتجاوز عام، وهنا نتوقف لندرس ونحلل تلك المأساة.
البداية كانت في إعلان الفريق أول عبدالفتاح السيسي لخريطة المستقبل، رسمت رؤى مرحلة انتقالية، تضمنت تشكيل لجنة، للبحث في المواد المختلف عليها في الدستور. وهي وفقا لكل المواقف، لا تتجاوز 15 مادة. كان هناك تحفظا عليها من قوى سياسية مختلفة، بعد أن تم الاستفتاء عليه من الشعب المصري، وحصل على موافقة حوالي ثلثي المشاركين. وجاء الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، ليكون أكثر تفصيلا، بعد أن نص على تشكيل لجنة قضائية، من رؤساء محاكم، للنظر في صياغة التعديلات كمرحلة أولى. على أن يتم عرضه على لجنة أخرى، من خمسين عضوا، وعلينا أن نتجاوز مناقشة مدى دستوريته، ولكن السؤال المطروح، هل التزمت السلطة الحالية، بما التزمت به في 3 يوليو؟ الإجابة بالنفي، فنحن أمام كتابة دستور جديد، وليس تعديل مواد مختلف عليها، والأخطر أن كتابته تتم بروح انتقامية، وكأن هناك ثارا، بين أعضاء لجنة الدستور الجديدة، مع لجنة المائة التي تم تشكيلها أثناء حكم الدكتور مرسي، رغم أن أعضاءها منتخبون من الشعب، بينما الأخيرة معينة بقرار من رئيس مؤقت.
ولم تتوقف مأساة اللجنة عند هذا الحد، فقد جاء تشكيلها من عناصر، غلب عليها التيار اليساري، سواء الماركسي أو الناصريين، وبعض القوى الليبرالية. وكلهم من المعادين لتيار الإسلام السياسي، الذي فاز في كل الانتخابات السابقة، فوفقا لتصنيفات الأعضاء، هناك 17 عضوا من اليسار والناصريين. و12 من الشخصيات العامة، ومثلهم من التكنوقراط. والمستقلين، والمنتمين للأزهر ثلاثة، ومثلهم للكنائس، وثلاثة من الشخصيات والتيارات الدينية. وهنا تبدو المفارقة الكبرى، والمأساة الحقيقة. فممثلو التيار الديني هم، كمال الهلباوي وأحد المنشقين عن الإخوان المسلمين، وتحول إلى أحد أكبر المعارضين لهم، ويصنف نفسه على أنه إسلامي مستقل، وكذلك الدكتور سعد الدين الهلالي، وهو يرفض أصلا المادة الموجودة في كل الدساتير، بأن الإسلام دين الدولة، ناهيك عن باسم الزرقا ممثل حزب النور، المشارك في الانقلاب. ولا يختلف الأمر بالنظر إلى ممثلي الأزهر الثلاثة. المفتي الدكتور شوقي إبراهيم، وهو صوفي من دون أي انتماءات سياسية، وعبدالله النجار، ومستشار شيخ الأزهر القانوني محمد عبدالسلام.
ويبدو أن حجة «دعونا ننتظر ونحكم على المنتج النهائي»، الذي سيخرج من اللجنة. تبدو واهية، وبلا معنى، فالبداية ليست مشجعة. والتوجه العام السائد في اللجنة، يبدو مخيفا. والهدف النهائي من القائمين عليها، يؤشر إلى أن الهدف، هو تغيب أي إشارة إلى الهوية الإسلامية لمصر. واستئصال شأفة تيار الإسلام السياسي من الحياة الحزبية، وعلينا أن نشير مبدئيا، إلى أن هناك العديد من الألغام، والعقبات التي تعترض عمل اللجنة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، نسبة العمال والفلاحين، فالنص المقدم من لجنة العشرة، التي شكلها الرئيس المؤقت، ألغت النسبة. وكانت المادة 207 في الدستور المعطل، تنص على ذلك، ولكن عبر فترة انتقالية. وهناك أيضاً نظام الدولة، هل يكون رئاسياً، أو برلمانيا،أو نظاما مختلطا؟ يسحب من اختصاصات رئيس الجمهورية، لصالح رئيس الوزراء والبرلمان. وكذلك نظام الانتخابات، هل يكون فرديا، أو عبر القائمة؟ ناهيك عن تحديات أخرى.
ولعل القراءة المتأنية للمشروع، المقدم من لجنة العشرة، تكشف عن المصير المظلم، الذي ينتظر المستقبل في مصر. من يصدق أنها ألغت الإشارة إلى ثورة 25 يناير؟على اعتبار أن الثورة الوحيدة الآن، هي تجاوزا 30 يونيه. من يتوقع أن يتم توسيع مهمة المحكمة الدستورية العليا؟ ودخولها على خط العمل السياسي في الفترة الأخيرة ، أحد أهم أسباب الأزمة الحالية. وبهذا فمن البديهي، في ظل هذه الأجواء، أن يتم تكريس استقلال المؤسسة العسكرية في مصر. ومن ذلك موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على تعيين وزير الدفاع. وهذا يعني أن كل مؤسسة أو مجموعة،عليها اختيار وزيرها، دون أي سلطة لرئيس الوزراء، الذي من حقه اختيار الفريق الذي يعمل معه، ورئيس الجمهورية، الذي يتم محاسبته على أي تقصير للسلطة التنفيذية. والأخطر النص الخاص بإدراج، موازنة القوات المسلحة رقما واحدا. من قبل مجلس الدفاع الوطني. بعد أن كان مهمة المجلس، الذي يضم في عضويته عددا من المدنيين، من وزراء، وكبار مسؤولين، مناقشة الموازنة الخاصة بالقوات المسلحة.
ويظل الأهم من هذا كله، تلك المعركة الكبرى التي تدور رحاها، بين أقلية علمانية، مسيطرة على الإعلام، بفضل الانقلاب، وبين جموع الشعب، وهوية دينية إسلامية. فلجنة العشرة ألغت المادة 219، والخاصة بتفسير المادة الثانية من الدستور، كما تم حذف المادة الرابعة، والخاصة بمرجعية الأزهر، وأخذ رأي هيئة كبار العلماء في أمور الشريعة. كما حظر المشروع الجديد، نشأة الأحزاب على أساس ديني، مما يهدد 18حزبا. منها 14 ذات مرجعية سلفية، وفي المقدمة حزب الحرية والعدالة، والحليف الأكبر للانقلاب حزب النور، وعدد من الأحزاب المنضوية في تحالف دعم الشرعية، وكذلك ثلاثة أحزاب صوفية، وحزب شيعي. كما ألغت لجنة العشرة النص الخاص بنظام الوقف الخيري، الذي كانت ترعاه الدولة. كما أن اللجنة، تعيش أجواء أزمة، بين المؤسسة الدينية الرسمية الإسلامية والقبطية، على المادة الثالثة، التي تنص على إمكانية لجوء الأقباط واليهود، إلى التشريعات المنظمة لهم. وهناك مطالبة بتعديلها وعدم قصرها على أصحاب الديانات السماوية، والسماح لجماعات من غير المسلمين، مما يدخل جماعات مثل البهائيين وغيرهم، كما تم إضافة كلمة إلى المادة الأولى، والخاصة بتعريف مصر، على أنها دولة مدنية.
وبعد ما خفي كان أعظم، والخوف كل الخوف، من تمرير الدستور، عبر محاولة «شيطنة التيار الديني» ومحاولة استئصال أي انتماء إسلامي لمصر. ولو عبر تزوير للاستفتاء، على الدستور بعد شهرين أو أكثر. وهي المدة المتاحة للجنة تعديل، أو وضع دستور جديد لمصر.
المهم، أن يصل قادة المرحلة الجديدة، إلى حقيقة، أن «الثأر والانتقام» أو المكايدة السياسية، لا تثمران دستورا توافقيا، ودائما يحظى بموافقة الأغلبية، حتى ولو تم هذا بالتزوير.