alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

إيران وربيع الإخوان 2/1

28 أغسطس 2012 , 12:00ص

الجدل حول علاقة الإخوان المسلمين بالثورة الإيرانية ليس جديدا، بيد أن الذي أضفى طابعا أكثر جدية وحماسة هو صعود الإخوان المفاجئ على مركب الربيع العربي وتسلمهم لمقاليد الحكم في مصر وتونس، حيث اكتسب الموضوع بعدا آخر أشد عمقا وخطورة، فمصر وتونس ومن ثم المنطقة بأسرها ستتأثر بمواقف الإخوان هذه وعلاقاتهم البينية مع هذا الطرف أو ذاك وبالتحديد مع إيران. هناك أيضا بعد آخر لا بد من التنبه له، وهو أن مواقف الإخوان السابقة كانت تحمل قدرا من التنوع بحسب تعدد التوجهات الداخلية للإخوان أنفسهم، فمن الممكن أن تسمع لرمز من رموز الإخوان في بلد ما يناقض مواقف الإخوان في بلد آخر، وربما في البلد نفسه، وهذه قضية تحتاج إلى وقفة متأنية، فالإخوان لهم أكثر من اسم وأكثر من مسمى، وفوق هذا فليس كل المعروفين بإخوانيتهم جماهيريا هم إخوان فعلا، حيث غالبا ما يطلق هذا المفهوم على نمط من الإسلاميين «المعتدلين» أو «الوسطيين» المنتمي منهم لتنظيم الإخوان وغير المنتمي، وفي كثير من الأحيان يطغى اسم اللامنتمي على المنتمين بحكم مكانته العلمية وحضوره الجماهيري، وهناك تفاصيل أخرى أكثر تعقيدا، فالشيخ سعيد حوى مثلا كان من قيادات الإخوان ثم أعلن استقالته «من الجماعة ومن كل مؤسساتها» على حد تعبيره، ومع هذا فلا زال الجمهور يحسبه على الجماعة، ومثل الشيخ سعيد حوى العشرات وربما المئات من العلماء والمثقفين، وأذكر بهذا الصدد موقفا أكثر غرابة فقد زرت الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب الأسبق للإخوان المسلمين في سوريا في مرضه الذي توفي فيه، فسألته عن علاقته بالإخوان؟ فقال: والله ما أدري! فأنا لا أعرف موقف الجماعة مني ولم أبلغ بأي شيء، وليس بيني وبينهم أي اتصال تنظيمي، لكني ما زلت أحبهم وأنصحهم وأدعو لهم! وربما لا تختلف عن هذا حالة الأستاذ عبدالكريم زيدان المراقب الأسبق للإخوان العراقيين. ربما يرى بعض الإخوان أن هذه المعلومات غير صالحة للنشر، لكني أراها اليوم ضرورة لتحليل المواقف الإخوانية من كل القضايا المطروحة على الساحة التي تهم الناس بصورة عامة، وضرورة التمييز بين الموقف الرسمي للجماعة وبين الاجتهادات المفتوحة التي لا ترى قيادة الإخوان حاجة إلى ردها ولا إلى تبنيها، ولكنها قد تفكر في الاستفادة منها في الوقت المناسب، وهذه من المرونة التي يتميز بها العمل الإخواني، وتدور اليوم في بعض الأوساط الإخوانية رؤية جديدة تستند إلى هذه المرونة وتتلخص هذه الرؤية في اعتبار جماعة الإخوان مدرسة إسلامية أكبر من التنظيم نفسه، فالذي لا يصلح للتنظيم والانضباط الأسري قد يكون أكثر نفعا في المجالات الأخرى، لكن بعض القيادات تتخوف من هذا الانفتاح لأنه قد يؤدي إلى تنوع مصادر التحكم والتأثير داخل الهيكل التنظيمي ذاته. نستطيع من هذه المقدمة أن نفهم أغلب الملابسات التي تلف المواقف الإخوانية وفي أغلب القضايا ومنها العلاقة الإخوانية-الإيرانية، حيث وصل مستوى الالتباس إلى درجة التناقض الحاد، فبينما يصدر زعيم الإخوان السوريين الشيخ سعيد حوى كتابه «الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف» يقوم زعيم الإخوان التونسيين الشيخ راشد الغنوشي بسلسلة من الفعاليات الثقافية ليثبت أن الخميني إمام مجدد وأنه لا يختلف عن نظيريه أبي الأعلى المودودي وحسن البنا! وأن الثورة الخمينية هي الركن الثالث في مشروع إقامة المجتمع المسلم والدولة المسلمة إلى جانب الركنين الآخرين: الجماعة الإسلامية في القارة الهندية والإخوان المسلمين في العالم العربي! وقد ترجم الإيرانيون كتاب الشيخ راشد إلى الفارسية بعنوان «الثورة الإسلامية والإمام الخميني»، وقد أكد الشيخ هذه المعلومات المتداولة بين الناس من خلال دعوته الأخيرة لحزب الله للمشاركة في مؤتمر النهضة. بين هذين الموقفين الضدين هناك مواقف إخوانية موزعة على كل ألوان الطيف وما تقتضيه القسمة العقلية! لكن المواقف الأكثر تأثيرا وخطورة هي المواقف التي تتجاوز الحوار العلمي والثقافي إلى مستوى القرار السياسي، ومن ذلك موقف المرشد السابق محمد مهدي عاكف الذي أعلن عن استعداده لدعم حزب الله بآلاف المجاهدين، ثم استضيف على قناة المنار ليؤكد هذه «النصرة الواجبة» ويتهكم بالمعترضين الذين «يريدون أن يشغلوا الأمة بقضايا تافهة». وقد اعتضد هذا الموقف بمواقف رسمية كثيرة منها زيارة إسماعيل هنية لطهران ومشاركته لـ «الثورة الإسلامية» في احتفالاتها السنوية الأخيرة، ثم في الزيارة المعلنة لمحمد مرسي في نهاية الشهر الحالي لطهران. ولأن الإخوان لم يصدروا موقفا رسميا واضحا في هذا الملف الشائك، فمن حق الباحثين والمراقبين أن يعبروا عن رأيهم المنضبط بطريقة البحث العلمي بجمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها ثم الوصول إلى النتائج والأحكام، فالأمة تواجه حربا شاملة فرضها المشروع الصفوي الإمبراطوري عقديا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا، فرضها بحكم تفوقه النوعي، وقد امتدت هذه المعركة لتشمل أغلب مناطق المشرق العربي: العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، وقد خسرت الأمة مئات الآلاف من شبابها ومواردها وتعرضت للاستئصال في هويتها ووجودها. إن الأمة في هذه المواجهة لا تحتمل الانتظار طويلا لتفسير الألغاز والأحاجي، بل إن شباب الإخوان أنفسهم وفي كل جبهات المواجهة والذين يعيشون مع أهلهم وإخوانهم هذه الحرب ويكتوون بنارها لا يمكن أن يظلوا مكبلين بأدبيات السمع والطاعة دون أن يفهموا بالضبط ما هي سياسة القيادة وما مستندها الشرعي والأخلاقي في هذه العلاقة. إن أحداث سوريا بالذات لم تبق عذرا لمعتذر حيث دخلت إيران بكل ثقلها ومعها حزب الله وحكومة العراق للقتال إلى جنب عصابات الأسد وشبيحته، ولا يتورع لاريجاني أن يهدد العرب كلهم في حال سقوط بشار فيقول: إذا سقط بشار فستسقط الكويت وسيرجع العرب إلى مكة! إن لاريجاني بدا واثقا بنفسه منسجما مع ذاته وثقافته، إنه يعي ما يقول، فالعرب الذين خرجوا من مكة ليسقطوا إمبراطورية كسرى آن لهم أن يدفعوا ثمن جرأتهم وأن يرجعوا من حيث جاؤوا. إن الأمة الإسلامية لما كانت هي أيضا واثقة بنفسها ومنسجمة مع عقيدتها وثقافتها كانت تتصدى لهذه المشاريع الثأرية والانتقامية، ونذكر كيف كان العثمانيون يسحبون جيوشهم من جبهات القتال الصليبية ليحموا بغداد من الغزو الصفوي؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الصفوية لا تختلف عن الصليبية في خطورتها على الدين والأرض والإنسان، وتفوق عليها في موقعها الجغرافي وامتداداتها الاجتماعية. وقبل العثمانيين كانت تجربة صلاح الدين الأيوبي حيث نجح في صياغة المشروع المركب الذي أنهى به في آن واحد الخطر الصليبي والخطر الفاطمي، وهذا ما يفسر حقد الفاطميين الجدد على صلاح الدين والنيل منه بمناسبة وغير مناسبة. أليس من حق الأمة أن تستغرب كيف يتبرع المرشد بشباب الإخوان ليعلن عن استعداده لدفعهم جنودا لحسن نصر الله، ثم يبخل بهذه النصرة عن إخوانه في دمشق ودرعا وحمص وحماة وحلب..إلخ، كما بخل أيضا عن نصرة إخوانه في الفلوجة يوم خاضوا أكثر من معركة شاملة مع الاحتلال الأميركي! إني أعلم يقينا أن هذه المواقف لا تعبر حقيقة عن جماعة الإخوان، فرجال الإخوان ونساؤهم وشبابهم هم جزء من هذه الأمة ويعيشون معاناتها وتطلعاتها، وربما يشعرون بالحرج الشديد خاصة في بلاد المشرق العربي ومناطق المواجهة، وقد يتطور هذا الحرج إلى فعل إيجابي مؤثر خاصة بعد تزايد الوعي العام بخطورة المشروع الصفوي الجديد والقادم من الشرق، كما أن هذه المواقف وإن بدت رسمية لأنها تصدر من رأس الهرم الإخواني فإنها تصدر عن ثقافة شخصية وليس عن قرار شوري مدروس، ولو قارنا بين مواقف القيادة هذه وبين موقف سيدة نساء الإخوان زينب الغزالي حيث قالت في بدايات ثورة الخميني: «ثورة إيران ليست إسلامية، ولن نرضى عن الخميني حتى يقول رضي الله عن أبي بكر وعمر». فأي الموقفين أقرب إلى قلوب الإخوان ومشاعرهم؟

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...