


عدد المقالات 336
إن الأمة بحاجة اليوم أن تتذكر اللحظة التي انتقلت فيها من العدم إلى الوجود، اللحظة المؤسسة لهويّتها ولكيانها، فهذا التذكّر ضرورة لتجاوز ما بات يُعرف اليوم بأزمة الهويّة. إننا أمة اجتمعت وتكوّنت وتوحّدت على كلمة التوحيد الخالدة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وعبثاً يحاول البعض إيجاد أسس جديدة أو بديلة، والتجارب القريبة كلها أثبتت فشلها، والكلام هنا عن «الأمّة» وليس عن «الدولة»، التي هي إطار سياسي يتشكل بحسب الظروف التاريخية والجغرافية والاجتماعية، وقد تتدخل فيه السياسات الخارجية والاتفاقات الدولية، كما هو الشأن في دول «سايكس بيكو» وغيرها. إننا حينما نقرأ القرآن ونتوجّه في صلاتنا إلى قبلة واحدة، نشعر كأننا نرتفع فوق هذه الحدود السياسية والجغرافية، وهذا الشعور هو الذي نحتاجه اليوم، بشرط أن يتحوّل إلى ثقافة ووعي عام، وليس مجرد «طقوس» وحركات شكلية خاوية. وإذا كانت الثقافة «القومية» أو «الوطنيّة» قد حجّمت إلى حدٍّ كبير من هذا الشعور، فإن الثقافة الطائفية والمذهبية الضيّقة قد ساهمت أيضاً في هذا التحجيم، حيث صار الولاء للاجتهادات الجزئية والمذاهب الفرعية والجماعات السياسية والطرق الصوفية مقدّماً على الولاء لأصول الإسلام وثوابت الوحي، وفي بعض الأحيان تكون شخصية «الإمام» أو «الشيخ» حاضرة في أذهان «الأتباع» وأدبياتهم ومدائحهم، أكثر حتى من حضور النبيّ -عليه الصلاة والسلام- نفسه. لا شك أن هناك عوامل كثيرة اشتركت في تكوين هذه الظاهرة، بينها: الغلوّ، والجهل، والتقليد الأعمى، لكن هناك سبب آخر لم يتنبه لخطورته إلا القليل، وهو أن الداعية الذي يبدأ دعوته محاولاً التأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيبدأ بالأقرب فالأقرب، حتى تتشكل حوله دوائر تتسع شيئاً فشيئاً، ثم يجد نفسه -من حيث يريد أو لا يريد- أنه أصبح محوراً ومركزاً لهذه الدوائر، فإذا بدأ داعية آخر بالدعوة في مكان آخر، فإن الصورة نفسها ستتكرر، وهكذا نكون أمام دوائر مختلفة وولاءات متعددة، كل جماعة تدور حول محورها ومؤسسها، هكذا ظهرت جماعة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وجماعة الشيخ حسن البنا، وجماعة الشيخ المودودي، وجماعة الشيخ سعيد النورسي.. إلخ، وهذه الظاهرة وإن كانت طبيعية ومقبولة في بداية تأسيسها، فإنه مع تعاقب الأجيال والجنوح عادة نحو الاستقطاب والولاءات الضيقة سنكون أمام مشكلة حقيقية. إن الداعية الذي يبدأ الدعوة في بيئة ما، ليس شرطاً أن يكون الأعلم أو الأفضل حتى في بيئته أو أتباعه، فكيف بالفضاء الأوسع للأمة، وهذا بخلاف شخصية النبيّ -عليه الصلاة والسلام- إذ لا يمكن أن يكون في أصحابه، ولا في أي جيل من أتباعه من هو أولى بالاتباع والتأسّي منه، وعليه فإن العالم أو المصلح أو الداعية، من واجبه أن يحيي في الأمة دعوة نبيّها -عليه الصلاة والسلام- بشرط أن يبقى الولاء والاتّباع ومعيار التفاضل بين الناس موحّداً ومستنداً إلى قاعدة واحدة في الولاء والبراء. أما السماح بوجود رموز دينية يدور حولها ولاء وبراء غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا من شأنه أن يضرب هوية الأمة الجامعة، ويضرب أساس وحدتها، مهما كان أولئك الرموز.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...