


عدد المقالات 80
قد يُبتلى المرءُ أحياناً بصديقٍ عدوٍّ! يُحصي عليه أنفاسه، ويحسُده على الهواء الذي يتنفسُه، والمصيبة أنه لا يستطيع الفرار منه! فهو ملازمٌ له كظلّه.. يفرح إذا رآه حَزِن، ويَحزَنُ إذا رآه فَرِح! ويسعى في الإفساد بينه وبين الناس لاسيما إذا رآه محبوباً عندهم. له خبثُ (ابن سَلُول) وقدرته على النفاق! وكيدُ اليهود ومكرهم! وروغان الثعلب، وملمس الأفعى، في فصاحة لسانٍ وقوةِ بيان، حتى يظنَّ الظانُّ أنه ناصحٌ صالحٌ، وهو عدوٌّ كاشِحٌ، لكنه صديق! أليس هذا من العجائب؟! لله درك يا أبا الطيب أنْ شفيتَ غليلنا منه! ومِن نَكَدِ الدُّنْيا على الحُرِّ أنْ يَرَى ** عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ! والأدهى والأعظم إن جاءك يتصنع البكاء، ويشكو إليك الدهر، كي يرقَّ له قلبك وترحمه، وكان الأولى بك أن ترحم فؤادك وشبابك أنتَ منه، لأنه بلغة عصرنا (نصَّاب)! ينصب لك الشباك كي يصيدك، وحينها يقف مبتسماً ساخراً شامتاً بعد أن كان قبل قليلٍ منكسراً باكياً، قال صاحبي المتنبي: لا يَخْدَعَنَّكَ مِنْ عَدُوٍّ دَمْعُهُ ** وَارْحَمْ شَبابَكَ من عَدُوٍّ تَرْحَمُ مِن حولنا يا أحمدُ أعداءٌ كثيرون، أفسدوا علينا معيشتنا، حتى نكاد نشرق بدموعنا: إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ ** وَصَدَّقَ مَا يَعتَادُهُ مِن تَوَهُّمِ وَعَادَى مُحِبِّيهِ بقَوْلِ عُداتِهِ ** وَأصْبَحَ في لَيلٍ منَ الشَّكِّ مُظْلِمِ ألَا تذكرُ يا أبا الطيّب أنك حدثتني مرةً أنك اجتزتَ صحراء «الفراديس» ليلاً، فسمعتَ زئيرَ الأسود، وقد وصل بك الحالُ أنك كرهتَ البشرَ، ورغبتَ في صداقةِ وحلفِ ومجاورةِ هذه الأسود، وقد أخبرتها أنَّ أعداءك كثيرون، ولم تعد تثق بأحدٍ أبداً؟ وأنك أشعرتني أن هذه الأسود قد تكون صداقتُها خيراً من هؤلاء الأعادي الذين تحذرهم، أتريد أن تأمن الأسود يا أبا الطيب؟! أَجارُكِ يا أُسْدَ (الفَراديسِ) مُكْرَمٌ؟ ** فَتَسْكُنَ نَفْسِي، أمْ مُهَانٌ فَمُسْلَمُ؟ لماذا كل هذا يا أبا الطيب؟ مزقت أفئدتنا بشكواك منهم إلى الأسود، أخزاهم الله.. أنت لا تعلم من تأمن، أعداءَك؟ أم لصوصَ الليل؟ أم هذه الأسود؟ كان الله في عونك يا أحمد: وَرائِي وقُدَّامي عِداةٌ كَثيرةٌ ** أُحاذِرُ من لصٍّ، ومنكِ، ومنهمُ! لقد بلغتَ يا أبا الطيب غايةَ اليأس عندما عرضتَ على الأسود الحلفَ على أنْ تأْمَنَها، وتغنيها مما تكسبُ! لأنك مثلها في الشجاعة، وأذكى منها في سبل اكتساب المعيشة: فهل لكِ في حِلفي على ما أريدُه؟ ** فإني بأسبابِ المعيشة أَعلمُ! ليتها أطاعتْك فَغَنِمَتْ وَغَنِمْتَ وأَمِنْتَ وسَلِمْتَ! إذن لأتاكِ الرِّزقُ من كل وِجهةٍ ** وأثريتِ مما تَغنمينَ وأَغْنَمُ! ابتسموا في وجوهنا نفاقاً فابتسمنا، وضحكنا في وجوههم لا حُباً لهم، ولكنْ اتقاءً لشَرِّهم، نحن مثلُك معهم يا أحمد!: ولما صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً ** جزيتُ على ابتسامٍ بابتسام! من أعظم مصائبنا اليوم يا أحمد بن الحسين أننا أصبحنا ننتفع ببعض الأعداء أكثر من بعض الأصدقاء! أهذا ما عَنيْتَه عندما قلتَ: وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنَالُكَ نَفْعُهُ ** وَمِنَ الصَّداقَةِ ما يَضُرُّ وَيُؤلِمُ؟! يا أبا الطيب! نَثقُ بهم ثم نُطعنُ منهم!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...