مصر.. ولعبة استبدال التحالفات!!
26 سبتمبر 2013 , 12:00ص
السؤال قد يبدو بسيطا، ولكن إجابته معقدة، تستلزم الخوض في غمار عدد من القضايا. وتفسير عدد من الظواهر، والاستعانة بتجارب تاريخية، والاستناد إلى محطات مفصلية، في العلاقات بين مصر وأميركا والتي بدأت رسميا منذ عام 1975 وسبقها بسنوات اتصالات غير رسمية بينهما في زمن الرئيس الأسبق أنور السادات. وتتعدد الأسئلة، ومنها هل تستطيع مصر الاستغناء عن علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن؟ وقبل الاستطاعة هل هناك إرادة سياسية لفعل ذلك؟ ولماذا الآن؟ وهل تقبل واشنطن بسهولة تغيير قواعد اللعبة في منطقة مثل الشرق الأوسط؟ مع تمرد حليف بحجم وتأثير دولة مثل مصر؟ وما هو البديل؟ قد يقول قائل إن روسيا جاهزة ومستعدة، ويصبح السؤال هل هي بديل مناسب؟ وهل لديها القدرة والرغبة لاستفزاز واشنطن؟ وهل نحن في زمن الحرب الباردة؟ وهل يمكن الاعتماد على موسكو بديلا عن واشنطن؟ وكل سوابقها تشير إلى أنها تتخلى سريعا، عن أي تحالفات، مهما كان وزنها وثمنها، والمكاسب التي تجنبها مقابل أي صفقة يتم إبرامها مع واشنطن. ولو على حساب دول المنطقة.
والأمر في نهايته يتعلق بثلاثة أطراف، القاهرة وواشنطن وموسكو، ولنبدأ بالقاهرة، ونؤكد أن الدبلوماسية المصرية ليست في وارد، البحث عن رؤية استراتيجية جديدة، أو إعادة نظر في تحالفاتها المستقبلية، خاصة أن الوزارة الحالية، والنظام بأكمله، يمثل مرحلة انتقالية، لا تتيح فرصة لإعادة النظر، أو إعادة صياغة للسياسة الخارجية في وزارة، لن تستمر سوى تسعة أشهر أو سنة، كما أنها تعيش في أجواء أزمة مستحكمة، وتعاني من حالة عزلة شبه دائمة، وصلت إلى تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي. ناهيك عن دول الاتحاد الأوروبي، ومعها واشنطن، التي لم تعد علاقاتها كما كانت مع القاهرة، وهناك إعادة نظر في ثوابت تلك العلاقة.
والغريب هو ما تم الكشف عنه مؤخراً، على لسان الرئيس المؤقت عدلي منصور، في لقائه مع مقدمي برامج التوك شو، من أنه استمع إلى نصيحة وزارة الخارجية، بعدم السفر إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، خوفا من سعي عدد من دول العالم إلى استغلال تلك الاجتماعات، للبحث في الأزمة المصرية. كما أن الرئيس المؤقت كشف عن أغرب موقف، هو توفير الإمارات الاعتمادات المالية الخاصة، بتكلفة قيام شركة علاقات عامة دولية متخصصة، لتسويق مصر ومعالجة الأضرار الناتجة عما حدث في يونيه، ولكن الروتين المصري عرقل ذلك. فإذا كان ذلك هو حال الدولة المصرية، فهل يمكن تصور أن تقوم بإجراء درامي؟ يتعلق بقرار استراتيجي، مثل تغيير تحالفاتها من واشنطن إلى روسيا.
أما واشنطن طرف المعادلة الثاني، فهناك مصالح استراتيجية بين البلدين، تجعل من الصعب على أي منهما التخلي عنها. واشنطن ترى في القاهرة أساسا مهما في استقرار المنطقة، كما أن رعايتها لمعاهدة السلام مع إسرائيل، كان عاملا أساسيا في حفظ أمن واستقرار الكيان الإسرائيلي، واستلزم ذلك تغييرات مهمة في العقيدة العسكرية المصرية، التي استبدلت بعد حرب أكتوبر 1973، التسليح الشرقي المعتمد تماماً على إمدادات السلاح الروسي، إلى السلاح الغربي من الولايات المتحدة الأميركية. واستغرق ذلك بعض الوقت، وأصبح هناك تحدٍّ على الجيش المصري، وهو تطوير والحفاظ على ما يملكه من السلاح الروسي، ومخطط طويل الأجل، لاستبدالها مع السلاح الغربي، ولنا أن نعرف أن هناك أكثر من 10 آلاف، من كبار الضباط من المصريين، حصولهم على دورات تدريبية في واشنطن. ومنهم الفريق أول عبدالفتاح السيسي نفسه. كما أن الأزمة الحالية في العلاقات المصرية الأميركية، مرتبطة بأكثر من عامل، منه ما يتعلق بموقف واشنطن الذي يسوده الغموض، وأحيانا التخبط، ويفتقد عدم الوضوح من انقلاب 30 يونيه، خاصة مع اتساع دائرة صنع القرار في واشنطن، البيت الأبيض يبدو متحفظا، في التأكيد على توصيف ما حدث. هل هي موجة ثورية؟ أم انقلاب. ولهذا لم يتخذ قرارا، بوقف أو استمرار المساعدات العسكرية. وأوقف فقط مناورات النجم الساطع. رغم أن أكثر من نصف الأميركيين في آخر استطلاع للرأي كان مع وقف المساعدات لمصر. وعدد من رموز الكونجرس، مع إعادة النظر في العلاقات مع مصر، بعد التأكيد على أنه انقلاب عسكري، والخارجية أقرب إلى التعامل مع الواقع المصري الحالي. مع تحفظات تظهر من حين لآخر على حملة الاعتقالات التي وصلت إلى أكثر من 9 آلاف من معارضي الانقلاب، وآخرهم جهاد الحداد. كما أن واشنطن أبقت على العلاقة الخاصة، التي تربط بين وزيري دفاع البلدين، وآخر اتصال بينهم تم منذ أيام، والغريب أن واشنطن لاعتبارات تاريخية، لم تستطع في الأزمة الأخيرة، أن ترضي أيا من أطرافها، فهناك قناعة لدى الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي، أن واشنطن جزء من الانقلاب ضد مرسي، بالمشاركة المباشرة أو الدعم أو حتى غض الطرف، بينما الطرف الآخر، وهو السلطة الحالية، لا تقبل من واشنطن، سوى بالدعم الكامل، ولا تسمح بأي خلاف أو انتقاد.
ولا يبقى سوى الطرف الثالث، في المعادلة وهو الروس، والرئيس بوتن. صحيح أن الرجل استعاد الكثير من النفوذ المعنوي لبلاده، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ونجح في عمليات الإصلاح الاقتصادي، حتى عادت موسكو قوة دولية لا يستهان بها، بدليل موقفها الصامد حتى الآن، في الدفاع عن النظام السوري، وحمايته من السقوط. ولكن السوابق القريبة تؤكد أن الروس يتخلون سريعا، عن أي تحالفات ضد الضغوط الأميركية، أو مقابل حزمة مكاسب، يتم تقديمها من قبل واشنطن. وأقرب مثال هو تخلي الروس عن صدام حسين، والعقيد القذافي. كما أن الدبلوماسية الروسية، تتسم ببعض التردد، والتأني في اتخاذ القرار وأحيانا البطء، وكان الرئيس محمد مرسي، قد زار بوتن في إطار محاولة مصرية لإعادة تشكيل رؤية جديدة للسياسة الخارجية، وحصل على وعود بدعم اقتصادي، ومشروعات مشتركة في العديد من المجالات، ولكن لم يتم تنفيذ شيء منها. وصحيح أن موقف روسيا من أحداث 30 يونيه، كان واضحا في دعم الانقلاب. وهذا يمكن فهمه في إطار نوعية وطبيعة النظام الحالي في روسيا في عهد بوتن، ولكن الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي إلى روسيا، لم تثمر عن اختراق كبير في العلاقات بين البلدين، ولم يلتق بوتن، واقتصرت محادثاته مع نظيره الروسي، ويبدو أن الحرص الروسي هو السائد الآن، خاصة أنهم يدركون قبل غيرهم، أن مصر في مرحلة انتقالية، وتعاني من حالة عدم استقرار سياسي.
إذاً على ما يبدو أنه من المبكر حسم مسألة إمكانية أن تحسم مصر لعبة تحالفاتها وتستبدل موسكو بواشنطن.