alsharq

عبدالوهاب بدرخان

عدد المقالات 307

سباق «الشرعية» والحرب الأهلية في ليبيا

25 مايو 2014 , 12:00ص

بلغت ليبيا المأزق الذي سعت إليه، فالجميع يتحمّلون المسؤولية ولو بنسب متفاوتة، والجميع أسهم بسلبيته وتعنته وأحياناً بصمته وتواكله في صنع الفوضى وتوازنات الخوف التي كان لا بدّ أن تنفجر في أي لحظة. وتقتضي الصراحة المخلصة القول أن المؤتمر الوطني العام الجزء الأكبر من هذه المسؤولية، منذ تحوّل حلبة لصراعات خفيّة أو علنية على النفوذ والسلطة، وعلى المنافع والمصالح، ولم يأخذ على عاتقه واجب إعادة إحياء الوطن والوطنية، ولا أبدى حرصاً حاسماً على ضرورة الإسراع ببناء الدولة، كما أنه لم يعتبر المصالحة الوطنية مهمة بمثابة أولوية الأولويات. والأسوأ أنه انزلق شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم، إلى نقل مناحرات الشارع إلى كواليس جلساته حتى أصبحت متحكمة بقراراته. لا شك أن «اليوم التالي» لسقوط النظام السابق وانتقال البلد إلى كنف «الثوار» كان امتحاناً صعباً للجميع. ففي تلك اللحظة لعب موروث الظلم والقهر الدور الأكبر في تشكيل السلطة، وكان من الطبيعي أن تطفو على السطح التمايزات السياسية والاجتماعية التي بُذل جهد كبير لكتمانها وتجاوزها خلال الثورة، وبدا حينذاك «مقبولاً» أن يصبح البلد أشبه بجزر أمنية ضنينة بحدودها وأن تتوزّع الميليشيات الوافدة مناطق طرابلس العاصمة كما لو أنها غنيمة وضمان لتأمين الحقوق للمجموعات الجهوية. وبمرور الوقت صار هذا الواقع العفوي والاستثنائي واقعاً قائماً ودائماً، بل أقرب إلى وضعية أي بلد يعيش حرباً أهلية منه إلى دولة قيد التشكّل. ولذلك نشأت سلطة بلا قوانين وحكومة بلا معايير وأمن بلا ضوابط وحتى ما اعتبر جيشاً أو نواة جيش وطني ظل كياناً هلامياً يريده السياسيون والميليشياويون أن يبقى تحت رحمة الأمر الواقع «الثوري». وبطبيعة الحال كان لنقص الخبرة في إدارة الدولة وممارسة السياسة أثر بالغ السلبية في إقامة دولة لا يريدها أحد قبل أن يعرف مسبقاً موقعه فيها. وإذا كانت الانتخابات تُجرى عادة للتعرّف إلى الخريط السياسية لأي بلاد، فإن انتخابات يوليو 2012 أنتجت صيغة هي الأقرب إلى طبيعة المجتمع الليبي إلا أنها لم تعجب القوى الإسلامية التي خرجت من صناديق الاقتراع بتمثيل هزيل لا يعكس ما تعتقده عن قوّتها الفعلية، بالأحرى قوّة سلاحها المتمتّع بـ «شرعية ثورية». لعل أسباب التأزم الحالي تعود عملياً إلى أن القوى الخاسرة في تلك الانتخابات لم تقبل المعادلة السياسية التي رسمها الناخبون فراحوا يلتفّون عليها لفرض معادلة أخرى غير مكترثين بعواقب تغيير نتائج الانتخابات بعد ظهورها إلى العلن. وعلى وقع ترهيب وترغيب مورسا بإصرار ودأب أمكن تبديل الخريطة السياسية للمؤتمر الوطني العام، فإذا بحكومة انبثقت من معادلة سابقة تصبح آيلة للسقوط لتولد حكومة جديدة يفترض أن تمثل موازين القوى المستحدثة داخل «المؤتمر». تأسيساً على هذا الواقع استطاعت القوى الإسلامية أن تنتقل إلى مرحلة متقدمة من خطتها للسيطرة على مفاصل دولة يفترض أن تولد. غير أن هذه القوى لن تأخذ في حسبانها أن ثمة آخرين في المجتمع، يمكن أن يسموا «ليبراليين» أو «قوى مدنية» أو «مجموعات قبلية» مسلمة أو غير إسلامية أو حتى «فلولاً» و «أشباه فلول»، بل إن القوى الإسلامية لم تهتم بـ «الجيش الوطني» ولا طرحت تصوّراً لوضعه المستقبلي، وتجاهلت أن هناك «لجنة الـ60» المنكبّة على كتابة الدستور، وأن الانتخابات المزمعة قريباً (خلال شهر يونيو المقبل؟) قد تعيد إنتاج معادلة انتخابات 2012 ولو مع بعض التعديلات. فالمجتمع لم يتغيّر بالقدر الذي يدفعه إلى تغيير وجهة تصويته، خصوصاً أن هناك الأهمّ وهو أن المجتمع عانى ويعاني من الفوضى الأمنية ويلقي على القوى الإسلامية مسؤولية انتشار المجموعات «القاعدية» التي تسعى إلى إنشاء «إمارات إسلامية» هنا وهناك، وهي في حقيقتها بؤر إرهابية تبث الرعب في الداخل بمقدار ما تشوّه سمعة البلد وصورته في الخارج. أكثر من ذلك، لم يتقبّل الليبيون، بمَن فيهم أشدّ المعارضين للنظام السابق، الاغتيالات الممنهجة للضباط والعسكريين السابقين وبينهم مَن انشق قبل سنين وكانت له مساهمة في الثورة. فلا «المؤتمر» استطاع بناء منظومة للعدالة الانتقالية ولا القوى الإسلامية الرئيسية اهتمّت بحماية مَن قاموا بواجبهم خلال الثورة، بل إن هذه القوى مشتبهة بأنها أقامت شبكة أمان للمتطرفين الذين يقومون بالاغتيالات. عندما صوّت «المؤتمر» على تعيين أحمد معيتيق رئيساً جديداً للحكومة ثار جدل لم ينتهِ بعد حول «شرعية» هذا التصويت وكان ينبغي حسمه بشكل «شرعي» لا العمل على تمريره بمنطق الأمر الواقع، ليكون مقبولاً ومفهوماً عندئذ أن يحاسب خليفة حفتر باسم «الشرعية» أيضاً. لا مبالغة في القول أن أحداً لم يعد يملك الشرعية في ليبيا اليوم، وحده «المؤتمر» كان يمكن أن يدّعيها لولا أن ولايته انتهت وممارساته أصبحت منذ شهور موضع تشكيك واتهام بالفئوية، وما أصابه من تفتت في شرعيته الشعبية أساء استطراداً إلى الحكومة، أما الميليشيات فكان لها شيء من «الشرعية» ثم تآكل لأن الوضع الذي أنشأته غداة انتهاء الثورة حرم المواطنين أي شعور بالأمن والأمان. للأسف باتت الشرعية في ليبيا استحقاقاً ينبغي إعادة اختراعه. كثيرون تخوّفوا من «سيناريو مصري» في ليبيا، ورغم وجود بعض أوجه التشابه خصوصاً في منطق الأحداث فإن المعطيات الموضوعية مختلفة تماماً، وهي ليست لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. هذا لا يعني أن توازن الرعب سيبقى قادراً على منع السيناريو الأسوأ، بل على العكس بدت مؤشرات الحرب أو الحروب الأهلية، الموزّعة جغرافياً، واضحة في الأيام الأخيرة. ولا يفيد هنا تغليب إرادة فريق على فريق، بل الأفضل أن يبادر أي طرف وسطي مقبول إلى وضع المصالحة الوطنية في رأس الأولويات، وإلا فإن البلد ذاهب إلى متاهة.

ليبيا في لجّة نظام دولي «متضعضع تماماً»

لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...

«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام

في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...

صدمة بولتون: ترمب أقلّ تطرّفاً مما ظنّه!

هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...

إزالة «التماثيل» بين تصحيح الحاضر ومراجعة التاريخ

فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...

هل تحتمل أميركا والعالم ولاية ثانية لترمب؟

لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...

تغطية عربية للسطو الإسرائيلي على الضفة

ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...

مسلسل واقعي من خارج السباق الرمضاني

وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...

بين واشنطن وإسرائيل مجرّد تصويب للأولويات

لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...

خيار الكاظمي بالعراق في مسار صعب وواعد

مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...

ما بعد «كورونا».. هل هو فرصة لمنطق الطغيان؟

السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...

في انتظار اللقاح.. أي دروس من الجائحة؟

ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...

بين فيروسات وبائية وفيروسات سياسية

لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...