مؤتمر الحركة الإسلامية السودانية.. دروس ودلالات
24 نوفمبر 2012 , 12:00ص
عقدت الحركة الإسلامية السودانية مؤتمرها العام خلال الأيام الفائتة و قد فقدت زخماً كان يلازم مثل هذه التجمعات . و نشير إلى أن المؤتمر قد إنعقد و للدكتور حسن الترابى حزب إسلامى لا علاقة له بالحركة الإسلامية , بل حرص الترابى على التبرؤ من الحركة فى رسالة بعث بها إلى ضيوف المؤتمر الذين وفدوا من الخارج إلى الخرطوم ممثلين لتنظيماتهم الإسلامية فى مصر و تونس و فلسطين و غيرها . و يمثل هذا التبرؤ دليلاً ناصعاً على أن اللافتة الإسلامية لا تعنى توجهاً محدداً , و أن الإختلاف حول تصورات الحكم يمكن أن يحدث بين الإسلاميين أنفسهم , بدليل أن الترابى بكل تاريخه و رصيده الإسلامى خارج إطار الحركة الإسلامية , دون أن يستطيع أى من مخالفيه أن يطعن فى إسلامية توجهه , و عل الخلاف الإسلامى الإسلامى يهزم دعاوى التضييق على غير الإسلاميين بعد أن إستمرأ الإسلاميون طويلاً إستخدام العاطفة الدينية فى دمغ مخالفيهم فى الرأى بمعاداة شرع الله و الدعوة لحكم الجاهلية .
مرت الحركة الإسلامية فى السودان بمنعطفها الأهم عند وصولها للحكم , فووجهت بضرورة التحور بما يناسب المرحلة الجديدة و الخطيرة , و كان لزاماً عليها أن تتحول إلى تنظيم أشمل يكون أكثر مرونة فى إستيعاب تيارات لم ترتبط تاريخياً بالحركة الإسلامية . و ظهر حزب المؤتمر الوطنى بإعتباره التنظيم السياسى الجامع المؤهل لمرحلة الحكم بحكم سعته التى لا تتاح للحركة الإسلامية . و كانت المؤشرات تشير إلى أن ميلاد الحزب الجديد يعنى إزاحة الحركة الإسلامية , و بدا ذلك بوضوح فى تفوق الصفات التنظيمية و التنفيذية فى الحزب و الدولة على الصفات التى يحملها ذات الأشخاص فى الحركة الإسلامية . و على سبيل المثال فإن الأستاذ على عثمان محمد طه يسطع نجمه باهراً بوصفه نائباً لرئيس الحزب و نائباً أول لرئيس الجمهورية و لا يلمع (شيخ على) فى موقعه كأمين للحركة الإسلامية . و أصبحت الحركة إطاراً يتركه الحزب الحاكم يعزى به محاربين قدامى لم يصعدوا فى سلم الحزب أو الدولة .. و إتسعت الشقة بين الحزب و الحركة فحاول بعض الإسلاميين إلحاق أنفسهم بالقطار الذى تخطاهم فأعلنوا عن أنفسهم بمذكرة أسموها (مذكرة الألف أخ) إنتقدوا فيها الأداء الحزبى و الحكومى .. لكن كان رد الرئيس صاعقاً عندما قال صراحة إن عضوية الحزب تساوى عدد الموقعين على المذكرة أضعافاً مضاعفة , بل و هدد بمحاسبة الموقعين عليها , و كان رأى الرئيس نعياً صريحاً للحركة الإسلامية . و لما حان موعد المؤتمر الأخير تحرك أركان الحكم ليضعوا الحركة فى مسار لا يزعج الحزب بحيث تكون إطاراً رمزياً ينفى عن الحكام تنكرهم لمرحلة سابقة فى تكوينهم التنظيمى و الفكرى , و يحفظ للعاطفيين متكأ يجترون عنده الذكريات . و رغم إيقان إسلاميى المؤتمر الوطنى أن الحركة الإسلامية لم تعد نداً للحزب و لا تشكل خطراً عليه , لكنهم واصلوا حصار الحركة الضعيفة بأن أحبطوا محاولات للإتيان بشخصيات فى قيادة الحركة تجعلها و كأنها معارضة لسياسات الحزب . و لذا تابعت قيادات الحزب الحاكم بدقة الإجراءات و سدت الثغرات أمام مثل هذه المحاولات . و تجسد نجاحهم فى فوز الزبير أحمد الحسن بموقع الأمين العام الذى إرتبط فى الماضى بـ (كارزمات) فى الحركة , ليمثل الزبير مرحلة الأمين الذى يحفظ للحركة وجودها الشكلى .
أفلح قادة حزب المؤتمر الوطنى فى مسعاهم لوضع قيد إضافى على الحركة الضعيفة حين جعلوا إختيار الأمين العام للحركة الإسلامية فى مجلس الشورى لا إنتخاباً من المؤتمر العام الذى يصعب التحكم فيه , و لمزيد من الحيطة قرروا أن يكون التصويت سرياً , و لا غبار على القرار و لا على الإجراء , لكنه يؤكد على أن الحركة الإسلامية شانها شأن كل التنظيمات السياسية ترتب أمورها بما لا يربك مسارها , و أنها قد تضطر إلى خلق تكتلات و لوبيهات و (طبخ) بعض الأمور فى مطبخ خارج الأطر المعلنة . و لا يعيب كل ذلك الحركة الإسلامية فى شئ , فقط يراد منها أن تقر بذلك , و ألا توهم الكثيرين بأن التقدم للمناصب يتم بتجرد كامل من أعضاء لا يشبهون البشر , حيث يرفض الجميع هذه الأمانة التى هى يوم القيامة خزى و ندامة , و لذلك يصعب إختيار قائد من بين الزاهدين فيها , و أن الحركة تفلح أخيراً فى تقديم أمين عام يتقدم للمنصب و هو يبكى من ثقل الأمانة التى ألقيت على عاتقه .
أعان قادة حزب المؤتمر على مخططهم أخطاء فادحة وقعت فيها الحركة أبرزها أن الحركة أعادت إنتاج الطيب إبراهيم محمد خير (الطيب سيخة) بإنتخابه رئيساً لجلسات مؤتمر الحركة و إسقاط المرشح (الحكومى) عبد الرحيم على . و بدت الحركة بذلك عاجزة عن تقديم وجه تثبت به أنها تجاوزت خطايا الماضى و أنها بصدد تقديم وجوه جديدة لم تلوثها ممارسات قبيحة تورطت فيها الإنقاذ فى مراحل سابقة . و يعرف أن إسم الطيب سيخة قد إرتبط بمجزرة الصالح العام و ما أحدثته من تشريد و أثر جتماعى مدمر . و يبدو أيضاً من الواقعة أن أركان الحكم لو يولوا منصب رئاسة الجلسات أهمية مركزين على موقع الأمين العام حتى لا يتبوأ الموقع الدكتور غازى صلاح الدين غريم النائب الأول على عثمان , الذى يتهيأ لخلافة البشير .
و رغم أن الدكتور غازى صلاح الدين لم يرشح نفسه بعد أن أحس بتضييق الخناق عليه من معسكر النائب الأول , إلا أن مجرد التفكير فى تقديمه يكشف دليلاً آخر على قصر نظر القائمين على معسكر التفلت فى الحركة الإسلامية . ذلك أن غازى ــ شأنه شأن الطيب سيخة ــ يحمل فى تاريخه وصمة , فقد سبق أن فاز من قبل بموقع الأمين العام للحزب فى إنتخابات تشوبها شبهات التزوير . و ما زال أنصار المرشح الآخر الشفيع أحمد محمد ــ الذى ساندته الولايات الغربية ــ يجزمون أن غازى قد سرق نصرهم اإنتخابى ..و كانت الهتافات الداوية التى صاحبت ترشيح الشفيع قد أوحت بالمساندة التى يجدها من جمهور المؤتمرين .. و عندما تقدم د. غازى لمخاطبة مؤتمر الحركة الإسلامية الأخير قوبل بهتاف لم ينفع الشفيع من قبل . إحتاج غازى اليوم لما حرم منه الشفيع بالأمس اى الشفافية التى هى أحد أهم أركان الديمقراطية . و يفيد هذا الدرس غازى و أمثاله بأن المبدئية تريح صاحبها فلا يحتاج لتدبير ثم يضطر إلى نقيضه . و يرجى ان يكون الدرس الذى تستوعبه الحركة من كل هذه التجارب أن الديمقراطية الكاملة هى الطريق الأوحد لممارسة سياسية راشدة .