


عدد المقالات 80
الهجران عذاب لا يرحم، لكن الأقسى منه على القلب لهيبُ الذكريات، بحُلوها ومُرِّها، بعذْبِها وعذابها. بعض النفوس خُلقتْ من وفاء، تعيش عليه، وتموت عليه، إذا كانت مع المحبوب بكتْ خوف الفراق، وإن غاب بكتْ لوعةً واشتياقاً، فهي في عذابٍ عذْبٍ لا ينقطع: وَمَا فِي الأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ وَإِنْ وَجَدَ الهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ تَرَاهُ بَاكِيًا فِي كُلِّ حِينٍ مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشْتِيَاقِ فَيَبْكِي إِنْ نَأَوْا شَوْقًا إِلَيْهِمْ ** وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِرَاقِ فَتَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّنَائِي وَتَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقِي ما أوفاك يا أبا الطيب حين تذكرُ أنك خُلقتْ وطبعُك الوفاء، حتى لو رجعتَ إلى أيام شبابك وصباك فستعود حزيناً لأنك ستفارق شيبَك الذي تعوَّدت عليه وأصبح بينك وبينه أُلفةٌ: خُلِقْتُ أَلُوفاً لَوْ رَجعتُ إلى الصِّبَا لَفارَقتُ شَيبي مُوجَعَ القلبِ باكِيَا الذكريات التي تعصف بالقلب تجعل العقل ذاهلاً حيرانَ، حتى في أصفى حالات الروح، عندما يقوم إلى صلاته، تعترض صفاءه وخشوعه ذكرياتُه، أليس هذا هو حال جميل بُثينة: أصلِّي فأبكي في الصلاة ِ لذكرها ليَ الويلُ ممّا يكتبُ الملكانِ! وليس حاله بأحسن من حال قيسٍ بن الملوّح المجنون، الذي يقوم ليصلي فيسهو عن القبلة: أَراني إِذا صَلَّيتُ يَمَّمتُ نَحوَها بِوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيا!! ويعتذر لنفسه: وَما بِيَ إِشراكٌ وَلَكِنَّ حُبَّها وَعُظمَ الجَوى أَعيا الطَبيبَ المُداوِيا كل ذلك إذا هاجت الذكريات في نفسه: تَذَكَّرتُ لَيلى وَالسِنينَ الخَوالِيا وَأَيّامَ لا نَخشى عَلى اللَهوِ ناهِيا ولا يقف عند الذكريات، لكنه يكاد يقتل نفسه إنْ هي تمادتْ في تذكرها، فيعترف أن ذلك خارجٌ عن إرادته: خَليلَيَّ لا وَاللَهِ لا أَملِكُ الَّذي قَضى اللَهُ في لَيلى وَلا ما قَضى لِيا وأنها ليست له لكنه ابتُلي بِحُبِّها: قَضاها لِغَيري وَاِبتَلاني بِحُبِّها فَهَلا بِشَيءٍ غَيرِ لَيلى اِبتَلانِيا؟! هل بعد هذا العذاب من عذاب؟! رحمك الله يا ابن الملوّح! ومن أعجب الذكرى تلك التي تفيض رجولة وشهامة، وعِزّة وكبرياء، وحُبًّا وشوقا، وفروسيةً، ونخوة وشجاعة، إنها ذكرياتٌ على ظهور الخيل، إذا التحمتْ السيوف، وزاغت الأبصار، تفجرت بها قريحة شاعر الصحراء العربي عنترة بن شداد مخاطباً (عبلة) ابنة عمه: وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي أتذكرها يا عنترة وأنت بين الموت والحياة؟ ألهذا الحدِّ بلغ بك الشأنُ؟ ألم تخش أن تغشى عينيك غاشيةٌ فتتناولك سيوفُهم وأنت ذاهلٌ عن نفسك في (عبلة)؟ أجابها ولم يجبني: فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ! أخشى أن أقول: لله درُّك يا عنترة، فيقال لي في زماننا: أتقول هذا لرجلٍ غير مسلمٍ؟! لكني أقول: لله درُّ تلك الفصاحة والمشاعر التي أخرجتْ مثل هذه الرجولة. يقولون: ستذكُرني إذا عاشرتَ غيري وتبكي عِشْرتي زمناً طويلاً! إلى اللقاء!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...