


عدد المقالات 336
على خلاف هلال ذي الحجة، تعوّد المسلمون على الخلاف في هلال رمضان بحسب الدول والتوجهات والطوائف، وقد انعكس هذا حتى على الجاليات الإسلامية في الغرب، حيث حرموا من التمتع بإجازة العيد لأن الغرب لا يعرف كيف يتعامل مع هذه الحالة، لا من حيث الخلاف ولا من حيث تأخير الإعلان إلى المساء. هناك حرج أشد، حيث يكون اختلاف المسلمين في هذه المسألة غير مفهوم، خاصة ونحن نعيش في زمن الدقّة العلمية، والتي يمكن من خلالها تحديد موقع الهلال واقترانه أو ولادته بطريقة لا تحتمل الخطأ، وقد سألت أحد الخبراء في هذا العلم فقال: أنا شخصيا أستطيع أن أضع تقويما لمئة سنة قادمة دون احتمالية مؤثرة للخطأ! ويشهد لهذا اتفاق الفلكيين بشكل قاطع على التحديد المبكر لمواعيد الخسوف والكسوف. أين المشكلة إذاً؟ المشكلة في تقديري مركّبة، فالفلكيون المسلمون يوقعوننا فيما يشبه التضليل غير المتعمد، حيث يخلط أغلبهم بين خبرته الفلكية وتوجهاته الفقهية، فمثلا نسمع من بعض الفلكيين أن بداية شهر رمضان لهذا العام هو يوم السبت لعدم إمكانية رؤية الهلال! وهذا ليس كلاما علميا مجردا عن التوجه الفقهي، لأنك لو سألته عن موعد ولادة هلال رمضان لقال لك: إنه يتولد الساعة 24/7 من صباح يوم الخميس بتوقيت مكة المكرمة! إذاً الحكم الذي أصدره الفلكي لم يكن حكما علميا وإنما كان رأيا فقهيا، حيث إن اشتراط الرؤية بكل ما فيه من تفاصيل واجتهادات هو مبحث فقهي، وهذه الإشكالية تنتج إشكالية أخرى، حيث يسمع الناس آراء متناقضة للفلكيين المسلمين فيتصور الناس ومنهم الفقهاء أن علم الفلك نفسه لم يصل إلى مستوى الثقة والدقة التي يمكن الاعتماد عليها، وبالتالي يرتكب الفلكيون خطأ آخر لا يريدونه وهو إبعاد الفقهاء عن هذا العلم وزهدهم بنتائجه! وهنا أنقل نموذجا للخلاف الفلكي الفلكي: «في حين أكدت الحسابات الفلكية التي أجراها كل من علماء الفلك في السعودية والمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان أن غرة شهر رمضان ستوافق يوم الجمعة القادم، أعلن «المشروع الإسلامي لرصد الأهلة» ومقره أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، أن غرة شهر رمضان المبارك ستكون يوم السبت. «موقع أخبار مصر». بينما نرى تركيا والتي تعتمد الحساب الفلكي حصرا قد صامت الجمعة وليس السبت! فاتفاق الفلكيين في تحديد الخسوف والكسوف واختلافهم في دخول شهر رمضان فقط، دليل على أن المشكلة ليست فلكية. أما الفقهاء أنفسهم فإن هناك عدة مسائل شائكة تتطلب قدرا كبيرا من الاجتهاد والجهد الجماعي -وليس هنا مجال التفصيل- ولكن المسألة المحورية في الجانب الفقهي هي النظر في نصوص الرؤية والتي وردت في الأحاديث الصحيحة، هل هي أمر تعبدي مقصود لذاته، أو هي وسيلة لتحقيق غاية شرعية، فالصوم عبادة مقصودة لذاتها هذا لا خلاف عليه، وسبب هذه العبادة دخول شهر رمضان، هذا أيضا لا خلاف عليه، بقيت الرؤية هل هي عبادة مقصودة لذاتها أو هي وسيلة كانت تناسب ذلك الزمن وإمكاناته المتاحة؟ كما في قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل»، فهل رباط الخيل مقصود لذاته؟ ومثله قوله تعالى في الحج: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر»، فهل ركوب الضوامر مرتبط بالحج ارتباطا تعبديا أو هي مجرد وسيلة معروفة في ذلك الزمان؟ وأنا هنا لا أسوق هذه الأمثلة للاستدلال القياسي، وإنما لتقريب فكرة أن الاجتهاد في فهم النص وتمييز الغايات عن الوسائل لا يتنافى مع قاعدة «لا اجتهاد في معرض النص». القرآن الكريم لم يتعرض لموضوع الرؤية وإنما قال: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه»، وفي هذا متنفس لمن يقول: إن الصوم مرتبط بدخول الشهر وليس بالرؤية، لكن لا يمكن معرفة الشهر على عهده صلى الله عليه وسلم إلا بالرؤية، وهناك إشارات على اعتماد الحساب في السنة الصحيحة من مثل: «فإن غُم عليكم فاقدروا عدة شعبان ثلاثين»، واقدروا هنا معناها احسبوا. والقرآن يؤكد هذا بقوله: «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس»، فالأهلة هي ذاتها مواقيت أي بحركتها الفلكية، وهذا يضعف فكرة أن دخول الشهر مرتبط بالرؤية من حيث هي لا من حيث كونها وسيلة لإدراك الأهلة، ثم القرآن يشير هنا إلى أنها مواقيت لكل الناس، وهذا ما يتطابق تماما مع علم الفلك اليوم والذي يجزم بوجود اللحظة الفلكية التي يتولد فيها الشهر بغض النظر عن المواقع الجغرافية لسكان الأرض. هناك نقطة أخرى لا يتنبه لها كثير من الفقهاء اليوم، وهي أن المسلمين اليوم لا يتراءون الهلال حقيقة، فأغلب المسلمين اليوم يعيشون في المدن الحاضرة والتي قد تكون مراقبة الهلال فيها غير مجدية أصلا. هذه الأفكار ليست مطروحة لتأصيل فتوى «هلالية» أو ترجيح طرف على طرف، لكنها محفزات للاجتهاد الجماعي الجاد لحل هذه المعضلة المتكررة، علما أن هذه الأفكار لم تعد أفكارا نظرية بل هناك تجربة عملية ناجحة قادتها تركيا منذ سنوات، ويمكن التوسع في دراسة هذه التجربة ونتائجها. بقي أن نشير إلى البعد السياسي في هذه المعضلة، وأنا هنا لا أقصد الرسائل السياسية المكشوفة بين الأنظمة والتي تستخدم التوافق أو الاختلاف الهلالي، فهذه بعيدة عن سياق البحث، وإنما أقصد المفاهيم السياسية الممتزجة بالفقه والتي قد تزيد من حالة التشابك والتعقيد، وسأكتفي هنا بنموذج واحد: الوقف السني في العراق استند في مخالفته لجمهور السنّة في العالم على تصريح فلكي أن الهلال لا يمكن أن يُرى ليلة الجمعة في كل العراق، ومن ثم أعلن أن السبت هو غرة رمضان، وهذا الإعلان يرتبط في الذهن بمقولة فقهية قديمة أن لكل بلد رؤيته، لكن الذي فات الوقف السنّي أن مفهوم البلد الذي يذكره الفقهاء القدامى ليس له علاقة بالمفهوم السياسي للبلد اليوم، فالمسلمون من الناحية السياسية كانوا يعيشون في بلد واحد من الصين إلى المغرب، وإنما قصدوا بالبلد المنطقة التي لا يصل إليها خبر الهلال من المنطقة الأخرى في نفس اليوم، فمكة عندهم بلد والمدينة عندهم بلد آخر، فإذا رأى أهل مكة الهلال فإنه يستحيل أن يعلم بهم أهل المدينة في اليوم نفسه، وعليه فلكل بلد رؤيته، هذا هو الأمر الواقع بحكم المعطيات الجغرافية وأدوات التواصل في ذلك الزمن، أما أن تشترك البصرة في الحكم مع الموصل وتختلف عن الكويت فهذا وضع سياسي نشأ بعد معاهدة سايكس-بيكو، وقد أسهمت هذه المعاهدة في تجزئة الأمة الإسلامية إلى ولاءات سياسية وهويات مختلفة ومتناقضة، وإقحام هذه المعاهدة في الدين والفقه التعبدي سيؤدي إلى ترسيخ هذه الحدود دينيا بعدما كانت مجرد حدود سياسية. وقد سمعت من أحد العلماء الداعمين للوقف في هذه المخالفة أن اختلاف المطالع قول معتبر في الفقه وإن لم يكن راجحا، وهذا وهمٌ، فبغداد تقع على خط طول واحد مع المدينة المنورة فهما يشتركان بمطلع واحد، ثم أردف بتبرير خطير وهو التوافق مع المكونات الأخرى في الصوم والفطر ويقصد طبعا الشيعة!! وهنا دخلت السياسة مرة أخرى، ولكن إذا كانت مصلحة التوافق معتبرة في الترجيح فهل مصلحتنا نحن أهل السنة في العراق أن نتوافق مع الأمة العربية والإسلامية من تركيا إلى الأردن ومصر والسعودية والخليج واليمن والأحواز العربية والثورة السورية، أو بتوافقنا مع من يعمل لاستئصال هويتنا وثقافتنا وتاريخنا؟! كل الذي أتمناه من الوقف السني أن يعترف بهشاشة مؤسساته العلمية والبحثية، وهذا ليس ذنبه طبعا فالعراق كله يمر بهذا الوضع اليوم، ثم يعلن توافقه مع محيطه العربي والإسلامي خاصة السعودية لاعتبارات كثيرة، مع ملاحظة عدم وجود قناعة كافية للشارع السني نفسه بمرجعية الوقف ولا بغيره، أما الذي أتمناه على المملكة العربية السعودية أن تعد العدة اللازمة علميا وفقهيا لقيادة الأمة الإسلامية وحسم هذا النزاع المتكرر والمؤذي، فقلوب المسلمين تهوي إلى مكة حجا وصلاة وصياما، ساعة وهلالا.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...