


عدد المقالات 80
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية من غربتها، في بلادٍ لا صديق بها، وماذا يفعل ببلادٍ لا صديق بها؟! خوفُ النفس لا أمان معه، وإذا فُقد الأمان فُقد طعم الحياة، ولا طعم للحياة بلا صديقٍ يبثه أبو الطيب شكواه! وأعظمُ غربة هي أن يكون بين أناسٍ جامدي المشاعر، ضعاف العقول، والتفكير.. الغريب أنك يا أبا الطيب ملأت السمع والبصر، وأحاطت بك الدنيا، فشغلْتها وشَغلَتك، وتاق الناس إلى شعرك ولقائك، وفخرت بك المجالس.. ومع كل هذا تشكو من عدم الصديق. ماذا تعني يا أبا الطيب؟!. أي بلادٍ تلك التي وصفتها بالشَّرِّ؛ لأنك لم تجد فيها الصديق الصدوق؟ أهي التي عنيتَها بقولك؟: وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبي فِيهَا غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللِّسَانِ!! أجاب بما ينبئ عن يأسٍ في نفسه عظيمٍ، حتى رأى أنَّ موتَه فيه الشفاءُ لدائه، والمنايا أصبحتْ أمنياتِه: كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا المصيبة يا أبا الطيب إذا وجدتَ مَنْ صداقتُه مُضِرَّة مؤلمةٌ: وَمِنَ العَداوَة ما يَنَالُكَ نَفْعُهُ وَمِنَ الصّداقَة ما يَضُرّ وَيُؤلِمُ فاضت نفسُه، فعلمتُ أنه تمنى الموت، ليشفيه مما يجد، لأنه لم يجد صديقاً صادقاً، ولا عدواً يستر العداوة!: تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا! هي شكواك القديمة: بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ؟! يا أبا الطيب.. ماذا تعني بقولك؟!: حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا! كأني فهمتُ أن من أحببته لا يستحق هذه المحبة التي كادت تُزْهِقُ روحَك، وتطلب من قلبك الوفاء، إذْ غدَرَ بك من أحببتَه.. أهكذا يا أبا الطيب؟!.. ألم تطلبْ من قلبك أن يقلل الاشتياق لمن لا يشتاق إليك، ولا يُصفي لك الوداد كما تُصفي له؟!: أَقِلَّ اشتِياقاً أَيُّها القَلبُ رُبَّما رَأَيتُكَ تُصفي الوُدَّ مَن لَيسَ جازِيا وماذا تعني بقولك يا أبا الطيب؟!: وَأظلَمُ أهلِ الظّلمِ مَن باتَ حاسِدا لمَنْ بَاتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلّبُ وماذا تعني بقولك؟!: قَضَى الله يا كافُورُ أنّكَ أوّلٌ وَلَيسَ بقَاضٍ أنْ يُرَى لكَ ثَان! كنتُ أظنُّ أنك مدحتَ الرجل، فأحسنتُ بك ظنَّي؛ حتى تذكرتُ قولك: يُعَدُّ إذا عُدَّ العجائِبُ أوّلا كما يُبتدا في العدِّ بالأصبَعِ الصُغرى! فعلمتُ أنك تتهكم بالرجل! إذن هو أولُ العجائب عندك لكنهُ أصغرُها!. وقد كنتَ مرة جعلته آية من آياتِ الله!. لم تُبقِ ذمَّاً إلا جعلتَه فيه، سامحك الله: وللَه آياتٌ ولَيسَتَ كهَذهِ أظُنُّكَ يا كافورُ آيتَهُ الكبرى! وماذا تعني بقولك!: وَفُؤادي مِنَ المُلُوكِ وَإن كانَ لِساني يُرَى منَ الشّعراءِ! فَهِم الأذكياء، ولكنْ هل يفهم الأغبياء ماذا تعني؟! هؤلاء سخفاء العقول. إلى متى الشكوى يا أبا الطيب؟! قال: ألا لَيْتَ شِعري هَلْ أقولُ قَصِيدَة فَلا أشْتَكي فيها وَلا أتَعَتّبُ؟! نفثة مصدور!: قال أبو تمّام: شَكَوْتُ وما الشَّكْوَى لِنَفْسِي عادَةٌ ولكنْ تفيضُ النفسُ عندَ امتلائها!!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...
الغربة.. تلك الكلمة الحزينة المحزنة، التي دارت على ألسنة الشعراء، وشكوها كثيراً، وغربة أبي الطيب لا تخفى، فله في كل بلدة نبأ. سمتْ به همّتُه حتى لا يُعرف ماذا يريد، لكن مطلوبه عظيمٌ: وَحيدٌ مِنَ...