

كانت من المصادفات الجميلة أن ترى روايتي (الإرسالية) النور قبل أيام قليلة من انطلاق معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين، بعد أن صدرت عن الدار المصرية اللبنانية. ولم تكن فرحة صدور الرواية هي الحدث الأهم بالنسبة لي، بقدر ما كانت اللقاءات التي أتاحها المعرض؛ لقاءات امتدت لساعات طويلة مع أصدقاء وزملاء وكتّاب ومثقفين، تداخلت فيها الأسئلة حول الأدب والفكر والرواية والشعر والهوية والثقافة العربية، وتحولت النقاشات إلى ما يشبه رحلة جماعية في معنى الكتابة نفسها.
وخلال تدشين الرواية في الصالون الثقافي، تكرر سؤال بدا بسيطًا في ظاهره: عن الانتقال من عالم السياسة والتاريخ والسوسيولوجيا والبحث الأكاديمي إلى عالم الادب والرواية؟ كان السؤال مشروعًا. فمن يعرف مسيرتي المهنية يدرك أن أكثر من عقدين من الزمن انقضيا بين الدراسات والبحوث والكتابة الأكاديمية، حيث اعتدت أن أتعامل مع الوقائع والأرقام والتحليل والنظريات، لا مع الشخصيات المتخيلة والحكايات والفضاءات السردية. لكن الحقيقة أن الادب والرواية والمسرح لم تأتِ من خارج هذا المسار، ولم تكن قطيعة معه بقدر ما كانت عودة إلى شيء قديم ظل نائمًا في الأعماق لسنوات طويلة.
صحيح أن تجربة الكتابة الروائية أخذت شكلها النهائي خلال السنوات الماضية وما رافقها من عزلة وانكفاء وتأمل طويل، إلا أن جذورها تعود إلى زمن أبعد بكثير. إلى طفولة لم أكن أدرك حينها أنها تزرع في داخلي البذور الأولى للخيال والسرد والحكاية. وللمفارقة، فإن تلك البذور لم تأتِ من الكتب والروايات في البداية، بل جاءت من شاشة تلفزيون صغيرة. ومن هناك بدأت الحكاية.
عندما نتحدث اليوم عن الرسوم المتحركة اليابانية التي عُرفت لاحقًا باسم «الأنمي»، فإننا غالبًا ما نستدعيها من بوابة الحنين. نستحضر الأغاني القديمة والشخصيات التي رافقت طفولتنا ونبتسم. لكن هذا الاستدعاء العاطفي، على جماله، يخفي حقيقة أعمق بكثير. فما الذي جعل تلك الأعمال تبقى حية في ذاكرتنا؟
على امتداد ما يقارب أربعة أجيال، من السبعينيات وحتى بدايات الألفية، لعبت هذه الأعمال دورًا هادئًا لكنه عميق في تشكيل وعينا، وأثّرت في طريقة فهمنا للحياة والصداقة والخسارة والانتصار وحتى معنى الإنسان نفسه. في ذلك الزمن، لم يكن العالم مفتوحًا كما هو اليوم. كان الطفل العربي يعيش داخل مساحة ثقافية محدودة نسبيًا: المدرسة، الأسرة، الحي الصغير، والتلفزيون المحلي. ثم جاءت تلك الأعمال اليابانية لتفتح ثغرة واسعة في جدار العالم المنغلق.
فجأة وجدنا أنفسنا نعبر حدود الجغرافيا من دون جوازات سفر. تسلقنا سفوح جبال الألب مع هايدي واكتشفنا سحر الطبيعة ودفء الانتماء، وتجولنا في طرقات أوروبا الفقيرة مع ريمي نتعرف إلى معنى الكرامة وسط الحرمان. وعشنا مع عدنان ولينا قلق البشرية وهي تحاول النهوض من أنقاض الحروب وبناء عالم جديد، بينما تعلمنا مع جريندايزر أن مقاومة الظلم ليست بطولة خارقة بقدر ما هي دفاع عن الحرية والهوية والأمل.
ومع توم سوير والكابتن ماجد أدركنا أن الإصرار والعمل الجماعي يمكن أن يحولا الأحلام الصغيرة إلى إنجازات كبيرة، فيما فتحت لنا سالي وقصص الشعوب أبواب الحكايات الإنسانية الكبرى، حيث يتشابه البشر في آلامهم وأفراحهم رغم اختلاف أوطانهم وثقافاتهم. أما مغامرات السندباد المأخوذ من حكايات ألف ليلة وليلة، وجزيرة الكنز، وفلونة، فقد أخذتنا إلى عوالم المغامرة والاكتشاف، وزرعت فينا شغف الرحلة وفضول المعرفة والرغبة الدائمة في تجاوز الأفق المألوف نحو عوالم أكثر اتساعًا ودهشة.
شراكة ثقافية
لم تكن تلك الأعمال مجرد قصص نتسلى بها بعد المدرسة، بل كانت نوافذ مفتوحة على ثقافات العالم، وكلها موضوعات لم تكن تُقدَّم للأطفال العرب بهذا العمق في كثير من الإنتاج المحلي آنذاك.
لكن نجاح هذه التجربة لم يكن إنجازًا يابانيًا خالصًا، بل كان ثمرة شراكة ثقافية غير معلنة بين اليابان والعالم العربي. بدأت الرحلة من لبنان، الذي احتضن أولى تجارب الدبلجة الاحترافية في المنطقة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى سوريا والأردن ومصر، حيث تطورت صناعة الدبلجة لتصبح فنًا قائمًا بذاته. وكان الدور الأبرز في نشر هذه الأعمال وترسيخ حضورها في الوعي الخليجي والعربي لعبته مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ إعلام الطفل العربي.
وما حدث في الحقيقة لم يكن مجرد نقل نصوص من لغة إلى أخرى، بل عملية ترجمة حضارية كاملة. فقد أُعيدت صياغة الحوارات بلغة عربية فصيحة رصينة، تحمل جماليات الأدب ووضوح التعبير، بينما تحولت شارات البداية والنهاية إلى قصائد مغناة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجمعية حتى اليوم. كما منح الأداء الصوتي للممثلين العرب الشخصيات أبعادًا إنسانية جديدة، حتى بدا أحيانًا أن بعض هذه الأعمال وُلدت بالعربية منذ البداية.
حيرة وحنين
لكن مع مرور السنوات، بدأ يراود كثيرين من أبناء جيلنا سؤال يحمل شيئًا من الحيرة وشيئًا من الحنين: لماذا لم يعش أبناؤنا التجربة ذاتها التي عشناها ولماذا يختلف «الأنمي» اليوم عن الامس بشكل كبير؟ لقد حاول الكثير منا، وربما كنت أحدهم، أن يفتح لأبنائه النوافذ نفسها التي أطللنا منها على العالم. كنا نظن أن «عدنان ولينا» و»هايدي» و»سندباد» ما زالت تمتلك السحر نفسه القادر على أسر الخيال وإشعال الدهشة في النفوس. كنا نتصور أن الحكايات العظيمة لا يطالها الزمن، وأن ما سكن وجداننا لعقود سيجد طريقه بسهولة إلى وجدانهم.
بدا المشهد مختلفًا؛ كانوا يتابعون بعض الحلقات بفضول عابر، ثم سرعان ما يعودون إلى عالمهم الخاص، عالم يتدفق فيه المحتوى بلا توقف، وتتزاحم فيه الشاشات والألعاب والمنصات ووسائل التواصل على انتباههم. وكان من الواضح أن جزءًا من ذاكرتنا الجميلة، بكل ما حملته من دهشة وبراءة واكتشاف، لم يعد قادرًا على عبور المسافة الفاصلة بين زمنين مختلفين، وأن بعض التجارب لا يشيخ أبطالها فحسب، بل يشيخ معها العالم الذي منحها معناها الأول.
والحقيقة أن المشكلة لم تكن في الجيل الجديد، كما لم تكن في تلك الأعمال التي صمدت في ذاكرتنا لعقود طويلة، بل في التحول العميق الذي أصاب الزمن نفسه. فنحن أبناء مرحلة تشكل وعيها في ظل الندرة؛ كانت الخيارات محدودة، وكانت الحكاية حدثًا يُنتظر، وكانت الحلقة الواحدة قادرة على أن تشغل الخيال لأيام كاملة. كنا نعيش في إيقاع أبطأ يسمح للقصة بأن تنمو داخلنا بهدوء، وأن تنسج علاقتها العاطفية العميقة مع الذاكرة.
أما أبناؤنا فقد وُلدوا في زمن مختلف تمامًا؛ زمن الوفرة اللامحدودة، حيث تتدفق الصور والقصص والمعلومات بلا انقطاع، وحيث أصبح الوصول إلى العالم كله يتم بلمسة إصبع. ما كنا ننتظره أسبوعًا كاملًا يمكنهم استهلاكه في ساعات قليلة، وما كان يمثل لنا نافذة نادرة على العالم أصبح بالنسبة لهم واحدًا من آلاف النوافذ المفتوحة في اللحظة نفسها.
اختلاف التجربة
ولهذا ربما لا يعود الفارق إلى اختلاف الأذواق أو تبدل الاهتمامات، بل إلى اختلاف التجربة الإنسانية ذاتها. نحن تشكلنا في زمن كان يمنح الأشياء فرصة كافية لتترك أثرها العميق، بينما يتشكل وعيهم في عالم يتغير بسرعة هائلة، ويستبدل المشهد بالمشهد، والقصة بالقصة، قبل أن تكتمل آثارها. لقد كنا أبناء البطء الجميل، وهم أبناء التسارع الدائم. ومن هنا يصعب أن يعيشوا التجربة نفسها التي عشناها، لا لأنهم أقل حساسية أو أقل قدرة على التفاعل، بل لأن العالم الذي يحتضن طفولتهم مختلف جذريًا عن العالم الذي احتضن طفولتنا، ولأن لكل جيل طريقته الخاصة في اكتشاف الدهشة وصناعة ذاكرته العاطفية والإنسانية.
ومع ذلك، ربما يكون من الظلم أن ننظر إلى المسألة من زاوية المقارنة السهلة بين «جيلنا» اطلق عليه البعض «جيل الطيبين» و»جيلهم». فالحنين، على جماله، قد يتحول أحيانًا إلى عدسة مضللة تجعل الماضي أكثر إشراقًا مما كان، وتجعل الحاضر أقل قيمة مما يستحق. ولذلك لا أعتقد أن زمننا كان أفضل بالضرورة، كما لا أرى في تجربتنا الثقافية دليلًا على تفوق أخلاقي أو فكري على الأجيال اللاحقة. لكل جيل أسئلته الخاصة، وتحدياته الخاصة، وأدواته التي يحاول من خلالها فهم العالم وإعطاء معنى لوجوده فيه.
أخيرًا، يمكن اعتبار الأنمي أحد أنجح أدوات القوة الناعمة اليابانية في العالم العربي. فقبل عصر الإنترنت والعولمة الرقمية، استطاعت اليابان أن تصل إلى وجدان ملايين العرب عبر قصص إنسانية وشخصيات خالدة وقيم عالمية مشتركة. وربما كان تأثير الأنمي في الوعي العربي خلال العقود الماضية في نسخته الكلاسيكية أعمق من كثير من تأثير السينما اليابانية أو الأدب الياباني نفسه، وهذا يؤكد أن الفن والأدب والثقافة حين تحمل رسائل إنسانية صادقة، تصبح قادرة على تجاوز الحدود واللغات وصناعة ذاكرة جماعية تبقى حية عبر الأجيال.
لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...
حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...
ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...