


عدد المقالات 307
لا ذنب لمسلمي فرنسا، أو بلجيكا، في الهجمات الإرهابية التي شهدتها شوارع باريس، هذا بديهي ومؤكد، فبين سبعة إلى ثمانية ملايين مسلم يعيشون على نحو عادي وطبيعي، مندمجين أقل أو أكثر أو غير مندمجين بالمرة في البلد الذي تمنحهم دولته العلمانية حرية أن يكونوا ما يريدون، بشرط احترام القانون المطبق على الجميع، بتساوٍ معظم الأحيان وبشيء من التمييز بعض الأحيان، لكن يندر أن يضطهدوا أو ينكل بهم كما يمكن أن يحدث لهم في بلدانهم الأصلية. وقد أشارت دراسات سوسيولوجية إلى ظاهرة تمزّق وجداني، إذ إنهم لا يزالون يحبونها البلدان التي يشعرون بأن لهم جذوراً فيها، وربما يحنون إلى ربوعها لكنهم يخشون أو لا يحبذون العودة إليها. في المقابل يتعلقون ببلدان هاجروا إليها، فهي وفرت لكثيرين منهم فرصاً ما كانوا يتوقعونها وأتاحت لكثيرين رؤية أطفالهم يترعرعون في ظروف إنسانية منصفة. لم يحدث أي انقلاب في حياة مسلمي فرنسا، بل في حياة بلدان «المنشأ» التي استفاقت فجأةً على الأسلمة وكأنها لم تكن مسلمة من قبل ولن تبقى مسلمة من بعد هذه موجة تفريخ الجماعات التي توظف الدين في خدمة مصالحها، فكان أن راحت الجاليات تستورد الصراعات الداخلية في المناشئ وتسقطها على حياتها في المهاجر. لذا صير إلى بلورة وعي سلبي خاص بـ «الحقوق»، وأريد تكييفها مع الإسلام المسيس في مجتمعات غير مستعدة، بالأحرى غير مضطرة، لقبول أحكام وتقاليد لا تتناسب مع منظوماتها الفكرية بل الدينية أيضاً، وهي في الحقيقة لا تتناسب حتى مع إسلام سوي غير متخاصم مع العصر ولا مع الآخر. ومع الوقت تحول هذا «الوعي» السلبي إلى شبه انفصام يظهر خصوصاً لدى الشباب الذين يجدون صعوبات في تدبير مستقبلهم، إذ ورثوا الاندماج الضعيف أو المنعدم لذويهم، ما حال دون سلوكهم مسارات تعليمية واجتماعية تؤهلهم للنفاذ من البطالة والتهميش. ومع ذلك ظلوا قلائل أولئك الذين وقعوا في أفخاخ العنف المتنكر بالدين، إلا أنهم على قلتهم وهامشيتهم أضحوا الآن خطراً على الأمن العام حيثما كانوا، وليس في فرنسا وحدها. يبقى هذا العرض بسيطاً وحتى سطحياً، لأنه يمس فقط الجانب الذي برز منذ أعوام إلى الواجهة وبات يتحكم بالنظرة العامة إلى الجاليات المسلمة، لسبب بسيط وواضح هو أن الذين اتخذوا من الدين مهنة مَن لا مهنة لهم وتحولوا إلى الجريمة المنظمة يأتون في الغالب من داخل هذه الجاليات عدا استثناءات قليلة لأفراد أجانب اختاروا أن يعتنقوا الإسلام لدوافع غير إيمانية إذ تبين في بعض حالات مَن وصلوا إلى سوريا أنهم أسلموا بعدما وُعدوا بحياة «مختلفة» تسهل فيها ممارسة العنف بل أقصى العنف، كما يسهل الانعتاق من قيود الحياة الصعبة وأكلافها في بلدانهم، عدا استساغتهم فرص المغامرة والتسلّط وسبي النساء وغيرها. وهؤلاء الذين سافروا إلى سوريا من فرنسا وسواها، ثم عاد منهم مَن عاد، وبعضهم لم تتمكن السلطات من وضعهم في قوائم المشتبه بهم، أصبحوا تهديداً للمجتمع ككل. فقد جعلوا من الشوارع والمقاهي والمطاعم والملاعب والمسارح ودور السينما أماكن لموت الأبرياء ولموتهم هم أنفسهم. من أجل ماذا؟ عندما حصلت هجمات إرهابية في 7 يوليو 2005 في لندن أدلى رئيس الوزراء توني بلير بكلمة تضمن إشارة واضحة إلى إسلاميين، لكنه أثار الاستهجان بإشارته أيضاً إلى الإسلام وهو ما سعى بعدئذ إلى تصحيحه. وبعد هجمات باريس تفادى الرئيس فرنسوا هولاند مثل هذا المطب، بل كان أكثر دقةً في التمييز بين الإسلام والمسلحين الذين ارتكبوا تلك الجرائم. لكن، في الحالين، شنت أجهزة الأمن حملات دهم في المناطق التي جاء منها الإرهابيون، وجرى ويجري تشديد قوانين المكافحة لتخفيف القيود على هذه الأجهزة سواء بالنسبة إلى توقيف الأفراد المشكوك بسلوكياتهم أو بتغليظ طرائق استجوابهم. ثمة هيئات حقوقية، منها «منظمة العفو الدولي»، دأبت على انتقاد الانتهاكات خلال التحقيقات والتنبيه إلى أن القوانين لا تجيز المبالغات التي قد يقدم عليها أفراد أو يتغاضى عنها مسؤولون. ورغم سيادة القوانين فقد تزايدت على الصعيد الاجتماعي المضايقات والاعتداءات على المسلمين في المناطق التي يقطنونها. والأكيد أن مثل هذه الأنشطة تفاقمت مع ظهور «داعش» والعمليات المصوّرة لذبح الرهائن الغربيين، بل أصبحت تؤثر مباشرة على المستوى السياسي بتصاعد المد اليميني المتطرف. ففي فرنسا رأى بعض المحللين في الإجراءات التي اقترحها الرئيس هولاند على مجلسي النواب والشيوخ استجابة حرفية لمطالب حزب «الجبهة الوطنية» خصوصاً بمطالبته بتعديل دستوري يسمح بسحب الجنسية ممن يشكل خطراً أمنياً. وفي بريطانيا، كما في ألمانيا، تواجه الأحزاب الرئيسية ضغوطاً بسبب تسرب أعداد كبيرة من الناخبين إلى اليمين المتطرف احتجاجاً على سياسات الهجرة، وكذلك بسبب تنامي الجماعات التي تبدي العداء السافر والمباشر لـ «الإسلام». ثمة تغيير من شأنه أن يتعمق أكثر فأكثر في سياسات الدول الأوروبية، وما كان يمكن أن يتصوره أحد قبل أعوام. فعندما يتهدد الأمن العام يصبح الاستقرار معرَّضاً بمجمله للانهيار، لذلك فإن الحكومات لا تجازف بتقديس أولوية الحريات التي تعتقد أنها فتحت للمتطرفين منافذ لاختراق المجتمعات، والواقع أن المسلمين في أوروبا يجدون أنفسهم رهائن بين إرهابيين لا يمثلونهم وبين سلطات تتحرك بانفعال وبحكم الضرورة، أي أنهم مرشحون في الحالين لدفع الثمن، ولذلك يعبّرون عن ضيق واستياء من الطرفين. وإذا كان هناك من تقصيرٍ ما فإن جانباً منه يقع على عاتق مسؤولي الجاليات، ذاك أن مخاطر التطرف قائمة منذ زمن، ولم تتراجع بل تفاقمت، وبالتالي فهي رتّبت مسؤوليات كان عليهم أن يجدوا أي سبل ممكنة لتلبيتها، إن لم يكن مساهمةً في صون الأمن العام فعلى الأقل لحماية صورة المسلمين وصورة الإسلام من التشويه على النحو الحاصل حالياً.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...