


عدد المقالات 336
إن أهل السنّة يمثلون المجتمع المدني المبسّط الخالي من التعقيدات الأيديولوجية والمذهبية والتصورات الطوباوية أو الميتافيزيقية، فنظام الحكم عندهم ليس سوى وسيلة لإدارة البلاد بالإمكانات الطبيعية والواقعية، وبحسب ما تمليه الظروف والملابسات التاريخية، ليس عندهم (إمام معصوم) ولا (نائب عن الإمام) ولا (ولاية فقهية) أو (مرجعية دينية).. ولا حتى سياسية؛ بل مرجعيتهم السياسية إنما هي الدولة: دولة علي بن أبي طالب، أو دولة معاوية بن أبي سفيان؛ دولة الأمويين أو دولة العباسيين، لا تعنيهم -من الناحية السياسية- هذه الأسماء والألقاب كثيراً، حتى وإن كانوا في الناحية الدينية أو الثقافية يميلون لهذا دون ذاك أو لذاك دون هذا. قلت لصاحبي: انظر مثلاً إلى مدى إعجاب أهل السنة بالإمام أحمد بن حنبل، حتى إنهم في فتنة (خلق القرآن) انحازوا كلهم لموقفه ضد المأمون والمعتصم، ولم يجاملوهما في ذلك؛ لكنهم في السياسة بقوا متمسكين بهما أكثر من غيرهم، وسيّروا جيوشهم إلى عمورية خلف المعتصم رغم ما بينه وبين ابن حنبل من خلاف حادّ، ولا يزال أصغر تلميذ لأهل السنّة يمجّد المعتصم كما يمجّد أحمد بن حنبل! وأقسم لك، لو أن ابن حنبل نهاهم عن السير خلف المعتصم لما أطاعوه، إنهم يفرّقون بشكل واضح بين الاجتهاد الديني وبين الموقف السياسي أو الإداري. الأغرب من هذا أنهم حتى في الجانب الديني البحت لا يستسلمون لمرجعية واحدة مهما كانت، فانظر مثلاً إنهم رغم شدة تمسّكهم بموقف أحمد بن حنبل فإنهم لم يتحولوا إلى حنابلة، فأهل بغداد هم من احتضن ابن حنبل لكنهم ظلوا متمسكين في الفقه بمذهب أبي حنيفة، وكأنهم يفرّقون بين التخصصات فهم في مواجهة المعتزلة حنابلة، وفي حياتهم الفقهية التفصيلية أحناف، وحتى حينما ظهر الشيخ عبدالقادر الجيلاني الذي امتلك قلوب العباد هناك ودان له الناس حتى أصبح إمامهم بلا منازع إلا أن هذه الإمامة بقيت منحصرة في الجانب الروحي والتربوي، ولم يتحولوا إلى مذهبه الفقهي. وهذه في الحقيقة تحتاج إلى وقفات طويلة، فأهل بغداد كانت لهم مقاييسهم ومعاييرهم الدقيقة والمنضبطة، فهم يعرفون متى يقفون مع المعتصم، ومتى يقفون مع أبي حنيفة، ومتى يقفون مع أحمد بن حنبل أو الشيخ عبدالقادر، ولا تطغى عواطفهم وأمزجتهم مهما بلغت على هذه المعايير. إن أهل السنّة يتصرفون باعتبارهم أمّة وباعتبارهم دولة مدنية متحضرة تستعلي بشكل واضح على الانحيازات والتخندقات الضيقة، إنهم ينظرون إلى كل تلك التجارب السياسية والاجتهادات الفقهية والمدارس التربوية على أنها تجارب منبثقة من جسد الأمة وتربتها وظروفها وليست مستوردة من الخارج، وبالتالي فعلى الأمة أن تعترف بهذه التجارب ولا تتبرأ منها مهما كان فيها من تفاوت أو تناقض، وعليها أن تستفيد منها بلا تقديس ولا تدنيس. وأعتقد أن هذا هو السلوك المنطقي والطبيعي لكل أمم الأرض، فلا توجد أمة محترمة تتبرأ من تاريخها أو تراثها مهما كان فيه من أخطاء، ولا توجد أمة محترمة تسلّم كل أمورها لشخص واحد أو جهة واحدة. قلت لصاحبي أخيراً: اصنعوا تجربة محترمة، وأقيموا دولة تضمن الحد الأدنى من العدل والكرامة والشراكة الفاعلة، وسترون أن أهل السنّة أخلص لكم من غيرهم.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...