


عدد المقالات 80
لغتنا أعظم لغة بلا منازع، ولنا الفخر أننا أهلُها، وأحقُّ بها، ومن لم يقرأ القرآن، ويتذوق فصاحته وسِحرَ بيانه، فلن يتذوق لذتها أبداً. لن أتحدث عن بيان القرآن، فذاك له أهلُه الراسخون، لكني سأورد من باب التنفيس عن النفوس شيئاً مما جادت به قرائح الشعراء؛ فاقرأ واعجب! فهذا شاعرٌ أحبَّ أن يمدح قوماً يوماً، وكأنه أضمر في نفسه شراً، وخشي على مدحه أن يذهب إلى غير أهله، فاحتاط لنفسه فقال يمدحهم: حلموا فما ساءَت لهم شيم سمحوا فما شحّت لهم مننُ سلِموا فما زلّت لهم قدمُ رشدوا فما ضلّت لهم سننُ ! إلى هنا، نحن أحبابٌ! لكن الشعراء ليس لهم أمانٌ! وما أسرع تلقباتهم، وما أسلط ألسنتهم! شاعرنا غضب على ممدوحيه، لربما لم يرض بالمال الذي أعطوه، أو لحاجة في نفسه لا في نفس يعقوب، فأراد أن يهجوهم؛ لكنه استخسر أن يقول فيهم أبياتاً جديدة، فماذا فعل؟ لم يزد على أن قَلَبَ هذين البيتين، فجعلهما يُقرآن من الشمال إلى اليمين، فأصبحا هجاءً بعد أن كانا مدحاً! هكذا: مننٌ لهم شحّت فما سمحوا شيمٌ لهم ساءَت فما حلموا سننٌ لهم ضلّت فما رشدوا قدمٌ لهم زلّت فما سلموا قبَّح الله الشعراء! أما صاحبي أبو الطيب، رجعت لك يا أبا الطيب، ونحن في رمضان نَعزِفُ قليلاً عن الشِّعر والشعراء إلا عنك، أما صاحبي فإنه أقدرُ من تلاعب بألفاظ اللغة، فكأنها في يده لينة طيّعة مثلما لان الحديد في يد داود. قال مرة بيتاً من شعره العظيم، هو بحاجة إلى مساحة أكبر من التي منحتها لي مشكورة صحيفة (العرب) لشرحه، هذا البيت مدح به صاحبه سيف الدولة الحمداني ملك حلب، والمتنبي لا ينافسه أحدٌ في ذكائه وشعره، بل وفي معرفته بنفوس أمراء حلب، ومصر، وغيرها، وأعني لا ينافسه أحدٌ من الشعراء، حتى لا يفهمني أحدٌ خطأ فيصدر ضدي فتوى، قال صاحبي: أَقِلْ أَنِلْ أَقْطِعْ احملْ علِّ سلِّ أعِدْ زدْ هِشَّ بِشَّ تفضّلْ أَدْنِ سَرِّ صِلِ والآن يأتي العذاب، شرح هذه الأوامر: أَقِلْ: أي أقل عثرتي يا سيف الدولة. أَنِلْ: وأنلني من عطائك الجزيل. أَقْطِعْ: وأقطِعني أرضاً واجعلها مُلكاً لي. احملْ: امنحني فرساً، أو أي شيء أركبه. علِّ: أعل من شأني، بوصلك لي. سلِّ: سلّني، اجعلني أتسلى، فأنا غريب! أعد: أعدني إلى حالي التي كنتُ عليها عندك من الوصل والتقريب. زد: زدني من عطاياك الجزيلة. هشّ بشّ: ابتسم لي، واجعل وجهك هاشاً باشاً في وجهي. تفضّل: مدّ إليّ يدك بالأفضال. أدنِ: قربني منك وأدنِني. سَرِّ: فهمها سيف الدولة من السرور فقال: قد سررناك، أما المتنبي فقد قال بخبثٍ: إنما أردتُ التسري! فأمر له بجارية. صِلِ: صلني وأعطني. فقال سيف الدولة: قد فعلنا! فهل أصابكم الدوار في رؤوسكم مثلي؟! وهل عذرني من لامني في حُبِّ أبي الطيب؟! يا أبا الطيب: إن العراق بعدك يشكو إلى الله وحده ما أصابه!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...