


عدد المقالات 336
تلميذ يخرج من قاعة الامتحان، ثم يأخذ بالدعاء أن يجعل الله الخرطوم عاصمة لليابان! لأنه أخطأ فكتب ذلك في ورقة الامتحان، لا أدري مدى صحة الحكاية، لكني أدري أنها تعبّر بشكل أو بآخر عن ظاهرة منتشرة لدى كثير من المتدينين، بل ربما نسمعها من على منابر الدعوة والإرشاد. إن ما يقوله هذا التلميذ في دعائه لا يختلف كثيراً عن أولئك الخطباء الذين يدعون بالنصر على أميركا وروسيا وبورما وإيران وربما الهند والسند والصين واليابان! كأنهم يريدون من القدر أن يقلب لهم موازين العالم وسننه ونظامه العام، ويسد عنهم فشلهم وعجزهم وجهلهم ونقصهم، ومنهم من يزيد على ذلك، فيبشّر جازماً بوعد الله الأكيد. إن الله سبحانه قد أقام هذا الكون على سنن لا تتخلف، ولكل نتيجة جعل لها مقدّماتها وأسبابها، فمن أخذ بهذه المقدمات والأسباب وصل إلى نتائجها، والعكس بالعكس، مهما اختلفت التصورات الدينية والنظرة المجردة إلى عالم الغيب، فلو ألقيت اثنين من الناس مؤمناً وكافراً في عرض البحر، فإن الذي سينجو إنما هو الذي أتقن السباحة، ولا علاقة للإيمان والكفر بذلك، هذا قانون أقام الله عليه هذه الحياة، لا يتخلف ولا يتبدّل، ولو تخلّف أو تبدّل لاهتزّ نظام الحياة وعمّت الفوضى، واستوى العالم بالجاهل، والنبيه بالغافل، هذه حكمة الله التي لا تتعارض أبداً مع قدرته تعالى المطلقة. لقد جرّب الغرب هذه السنن وسار عليها، فامتلك ناصية العلم والقوة والإدارة الناجحة لموارده وإمكانياته، ثم جرّبت اليابان والصين، وها هما ينافسان الغرب في ذلك، برغم اختلاف دينهم وثقافاتهم، ونحن المسلمين أولى أن نكرر هذه التجربة، لا سيما أن ديننا الحنيف هو الذي علّمنا هذه الحقائق، وبصّرنا بهذه السنن، وعلمنا أن هذه السنن لا تنحاز ولا تحابي «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به»، «فلن تجد لسنّة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً»، «إنا كلّ شيء خلقناه بقدر». باحترام هذه السنن ومراعاتها وافق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الصلح مع قريش لعشر سنوات، ومعنى هذا الصلح أن تبقى الكعبة عشر سنوات محكومة بالأصنام والشرك والوثنية، وكان معه ألف وأربعمائة من أصحابه الأبرار، قد بايعوه منذ لحظات على الموت، لكنه لم يزج بهم في معركة غير محسوبة وغير مدروسة، مهما كان مستوى إيمانهم وعدالة قضيتهم، لكنك تجد اليوم ممن لا علم عنده ولا خبرة ولا دراسة ولا سياسة، فضلاً عن تلك المعاني الإيمانية، من يغري الشباب ويمنّيهم بنصر الله الأكيد، ويدفعهم بخطاب عاطفي تعبوي، ويغلق عيونهم وآذانهم عن أي حل يناسب حال الأمة ووضعها الاستثنائي الخطير، إنها صورة متكررة لذلك التلميذ الكسول. لقد آن لنا أن نعرف أين نحن، وما هو موقعنا في هذا العالم، وما العمل المطلوب لتقليص الفارق الحضاري بيننا وبين الآخرين، فنحن لسنا استثناء من شعوب الأرض التي تنهض، ثم تنتكس، ثم تنهض، هكذا هي سنة الله في هذه الحياة، أما الذين يظنون أنهم معفوون من هذه السنن، وأن السماء ستفاجئهم بالمعجزات، فإنهم واهمون.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...