alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

منهجية التعامل مع ظاهرة الرسوم المسيئة

20 يناير 2015 , 02:39ص

أصبح شبه المعتاد أن تطالعنا بعض الصحف الغربية بإساءات منكرة ومتكررة تتجاوز فيها حدود اللياقة وأخلاقيات المهنة، وتهبط فيها إلى مستوى من البذاءة يشبه إلى حد ما تصرفات أبناء الشوارع الذين لا يجدون ما يعبرون به عن أنفسهم وطبيعة تربيتهم إلا أنكر الأصوات وأقبح الكلمات، فإذا كبروا وتلقوا شيئا من التعليم شعروا بالحرج لأنهم لم يكونوا في الموقع المناسب للسلوك الآدمي، وهناك نظريات ودراسات كثيرة حول الطريقة الأنسب للتعامل مع هذه الظاهرة وكيفية تأهيلهم ليندمجوا من جديد في المجتمعات البشرية. هنالك مشكلة أخرى وثيقة بهذه الظاهرة وهي أدعى للاهتمام والرد، وهي أن بعض الناس يفكرون باستخدام هؤلاء السفهاء والمراهقين لاستفزاز خصومهم، وليقوموا بما يخجلون هم عن القيام به، كما فعل أهل الطائف بتسليط سفهائهم وصبيانهم لإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالسباب والشتائم مما يتنافى مع القيم العربية في التعامل مع الوافد الغريب والضيف الدخيل المحتاج للمأوى والقرى، وقد تنبه لهذا العرب فقال شاعرهم: (إن السفيه إذا لم ينه مأمور). ربما كان من الأفضل تجاهل هذه الصحيفة التي لا يحضرني اسمها والتي اعتادت مثل هذا السلوك الصبياني على قاعدة القرآن في التعامل مع هذا اللغو (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، إلا أن كثيرا من المسلمين تولد عندهم شعور تراكمي أن هناك جهات معينة في الغرب تريد الإساءة لهم ولكنها تخجل من الهبوط بنفسها إلى هذا الدرك الوضيع فأوحت إلى هؤلاء السفهاء وجرأتهم ليلعبوا هذا الدور، وإذا كان هذا الاحتمال صحيحا فلا بد من التعامل معه بطريقة أخرى تتجاوز دائرة الفعل المسيء إلى الدائرة الأكبر بغاياتها وأهدافها. إن واحدة من الأزمات التي يعاني منها الفكر الغربي المعاصر هي إفلاسه في عالم القيم الروحية وجنوحه نحو المادة الجامدة وثقافة (الآلة الصماء) التي لا يمكنها أن تلبي تلك الحاجات الفطرية المغروسة في ضمير الإنسان ووجدانه الداخلي، ولذلك نسمع عن آلاف الغربيين الذين يقدمون على الإسلام لإرواء هذا العطش الروحي، وقد تركوا وراءهم كنائس مهجورة وطلاسم وتراتيل أمست جزءا من تراث شعبي متآكل، وليس أدل على هذا من تحول عشرات الكنائس في الغرب إلى مساجد! وبعضها تحول إلى مؤسسات مدنية لا صلة لها بالدين، من هنا تأتي أهمية صناعة (العدو الديني) لإذكاء روح الانتماء المضاد، هذه الطريقة في التفكير تبدو منطقية وطبيعية بيد أن الغرب الذي ثار على (التسلط الكنسي) وأنتج (الديمقراطية) و (دولة المواطنة) لا يريد أن يرجع إلى الوراء، فالرجوع يعني العودة إلى عصور الظلام والحروب الدينية الداخلية بين الطوائف المسيحية نفسها، هذا هو المأزق الحاد الذي أصاب الغرب بالدوار وفقدان التوازن. إنه ليس هناك ما يمكن أن ينقذ هؤلاء أكثر من ردات الفعل المتسرعة والمرتبكة والتي قد تقنع شعوب الغرب بأن الدين القادم إليهم من الشرق لا يحمل معه سوى (الدم) وعودة الصراعات الدينية والطائفية ولكن بأسماء ومسميات جديدة، وهذا لوحده كاف لبناء الحواجز النفسية بين هذه الشعوب وبين الإسلام الذي بدأ ومنذ عقود بالتغلغل في عقولهم وقلوبهم، وهذه الشعوب في الغالب لن تكون في وضع يؤهلها لمقاضاة الحالة بأسبابها ونتائجها، فرؤية الدم لصحافيين من أبنائهم مهما كانت إساءتهم لن تترك عندهم سوى الانطباع السلبي عن هؤلاء القتلة والعقيدة التي يحملون. قبل سنوات وفي جولة طويلة في الشمال الأوروبي رأيت شعوبا بلا دين ولا انتماء، وربما يصل الإلحاد في بلد مثل السويد إلى ما يزيد على %70، وهو ليس إلحادا ماركسيا عقديا، بل هو حالة من الفراغ والحيرة، وهؤلاء في الغالب يكونون أرضا خصبة للدعوة الناجحة، اليوم وبعد أحداث الموصل بالذات وتشريد المسيحيين صرنا نسمع عن حرق مساجد واعتداءات متكررة على المسلمين. ما الذي نريده؟ وما واجب الوقت؟ وأين تتجه بوصلتنا؟ هل نحن متجهون لإعلان الحرب الشاملة و (الجهاد العالمي) على الغرب وعلى كل من يسيء إلينا في هذا العالم؟ لننظر إلى التربية القرآنية وهذا النموذج الفريد في محاورة موسى لفرعون وقومه: (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ*قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ*قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) هكذا يتجاهل موسى شتيمة فرعون ويتجه إلى هدفه المباشر، وحين بدأ فرعون ينتقل من الشتيمة إلى التهديد (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) أجابه موسى: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؟) إنها الحجة والبينة حتى في مواجهة التهديد، لأن أصل دعوة الأنبياء ما كانت لمقاضاة الناس وإقامة الحكم عليهم، بل لإرشادهم وإنقاذهم وتحقيق الرحمة الشاملة لهم. لقد نجح الفرنسيون في تحقيق بعض أهدافهم الداخلية، واكتسبوا تعاطفا دوليا واسعا حتى من بعض القادة المسلمين، وكل هذا بسبب غياب التفكير المنهجي والروح التشاورية الهادفة لدى المسلمين، لقد كان بإمكان المسلمين إن لم يروا تجاهل هذه الإساءة أن يستخدموها كدليل مضاف لإقناع الغربيين بخوائهم الروحي وترسيخ شعورهم بالحاجة إلى القيم الإيمانية والروحية، وفي الوقت ذاته يعمل المسلمون على تعزيز وحدتهم الشعورية وولائهم لنبيهم وحبهم الشديد له وتعزيز الثقة بأنهم الأعلون بهذه الرسالة المحمدية، الرسالة التي تحمل الخير والرحمة للعالمين كل العالمين. ما الذي يضر المسلمين لو دعوا عبر مؤسساتهم الرسمية أو الشعبية إلى مؤتمر مشترك مع مثقفي الغرب لإدارة حوار علمي وقانوني موسع حول هذه الإساءات؟ لماذا التفكير المتناقض دائما إما بالدم، وإما بالهرولة لتسجيل المواقف وطلب شهادات حسن السيرة والسلوك؟ عبارة واحدة ينبغي أن تصل إلى كل الشعوب الغربية، هذه الإساءات المتكررة والوضيعة تعبر عن أزمة داخلية لدى بعض أبنائكم، كما أن ردود الفعل المجنونة تعبر عن أزمة داخلية لدى بعض أبنائنا، تعالوا إلى كلمة سواء لنتعاون في حل هذه الإشكالات وتجاوز هذه العقبات جملة واحدة وبمنهجية واحدة. • drmaiash@facebook.com @maiash10

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...