


عدد المقالات 307
يعاني الموقف الأميركي - الغربي من التدخل الروسي في سوريا خللاً أساسياً أوجده الأميركيون والأوروبيون لأنفسهم منذ بداية مقاربتهم للأزمة، واستكانوا لتفاهمات بين واشنطن وموسكو، بات الآن مؤكداً أنها لم تكن ثابتة ولا صلبة، وأن طرفيها لم يكونا متساويين في التأثير؛ إذ أعطى الأميركيون فيها إلى الروس أكثر مما أخذوا منهم. وعندما تفجّرت أزمة أوكرانيا وتداخلت حساباتها سريعاً مع حسابات الأزمة السورية، أظهر الطرفان أن صراعهما الرئيسي لا يزال في أوروبا، وليس في الشرق الأوسط، بدليل ذهاب الغرب إلى فرض عقوبات على روسيا انعكست بوضوح على عملتها واقتصادها. ولا تعادل الجهود الدبلوماسية طوال أربعة أعوام من الأزمة السورية تلك التي بُذلت طوال شهور من أجل معالجة المسألة الأوكرانية، إلا أنها لم تعطّل خطط روسيا للهيمنة على شرق البلاد، أولا بضم شبه جزيرة القرم، ثم بتغيير الواقع السياسي والإداري والعسكري. ولا يزال اتفاق مينسك (سبتمبر 2014) الذي تم تطويره في فبراير 2015 ينتظر التطبيق. وفي قمة باريس الأخيرة لأطراف هذا الاتفاق (روسيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا) كان واضحاً أن بنوده الأساسية كافة لم تنفّذ على نحو يدفع الدول الأربع إلى البحث في خطوات تكرّس الانفراج. لا يزال وقف إطلاق النار مخترقاً، كذلك سحب الأسلحة الثقيلة، ولم تتضح بعدُ ملامح «المنطقة الأمنية العازلة» بين قوات كييف وقوات دونباس، وكذلك لم يُشرَع بعد في حوار سياسي جدّي لأن الأطراف الداخلية تنتظر توافق الأطراف الخارجية، وهذه لم تقترب بعد من خيار التفاوض على مستقبل أوكرانيا، فالروس يريدون هيمنة كاملة عليها أو فليكن تقسيم بين شرق وغرب، والأوروبيون يريدون حلاً سياسياً يبقي أوكرانيا موحدة مع حكومة مركزية في كييف تقود إصلاحات داخلية وتعديلات دستورية وإدارية ترضي «الانفصاليين» بـ»حكم ذاتي» ضمن بلد موحّد. لكن فلاديمير بوتن خرج من لقائه مع باراك أوباما في نيويورك كما خرج من القمة الرباعية في باريس، بنتيجة مفادها أن الغرب ليس مستعدّاً بعد لرفع العقوبات ولا للتفاوض معه على تقاسم للنفوذ في أوكرانيا والملفات المتعلّقة بالأمن والدفاع الأوروبيين. هذا يعني بالنسبة إلى بوتن أن المواجهة مستمرة، وإذا كان الأميركيون والأوروبيون يبدون رفضاً علنياً لها إلا أنهم يخوضونها مثله بالوكالة عبر الأوكرانيين. لكن ما دامت المواجهة مستمرّة، ومعها العقوبات، فلا شيء يمنع بوتن من التصعيد بالذهاب إلى مواجهة- بالوكالة أيضا- في سوريا، حيث يملك أوراقاً أكثر ونفوذاً غير متوفر لخصومه، فالحكومة «الشرعية» طلبت رسمياً تدخلاً روسياً لـ «محاربة الإرهاب» بعدما أصبح النظام السوري على شفير الانهيار، وهذه الحرب تعني روسيا مباشرة بحكم مشاركة شيشانيين وقوقازيين في صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). ولتأكيد الاتجاه التصعيدي جاء التدخّل الروسي في إطار تحالف مع إيران ينطوي تلقائياً على انضواء العراق والنظام السوري فيه، كما أنه دُعم بتنسيق عسكري مع إسرائيل وباحتكاك جوّي مع تركيا، معطوف على اختراق أمني لمفاقمة قلق أنقرة قبل محاولة استمالتها للمشاركة في التحالف «الجديد» ضد الإرهاب. كان «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة ولا يزال موضع انتقادات لاستراتيجية محاربة «داعش»، إذ إن إنجازاتها طوال عام تُعتبر هزيلة وسلبية، بل إن البعض يرى أنها أسهمت في تقوية ذلك التنظيم. وتحاجج روسيا بأن الحلف الذي أسسته سيكون أكثر فاعلية في ضرب الإرهاب، لأنه يعتمد على قوات النظام السوري ودعمها بعمليات جوية أكثر كثافة، فضلاً عن ميليشيات رديفة تستقدمها إيران. ربما كان ذلك صحيحاً في نظر دولة كبرى تهتم أولاً وأخيراً بمصالحها، وتعتمد على التفوّق العسكري الذي تضيفه إلى معادلة الصراع السوري الداخلي، ثم إنها لا تبالي بالخسائر طالما أنها لا تقاتل بجنودها ولا تقصف مناطق على أرضها. لكن موسكو التي تتطلّع إلى إنجازات سريعة في تدخّل قصير المدى (ثلاثة شهور) لم تفحص جيداً معطيات المعارك بين المعارضة والنظام ولا احتمالات تغيير المواقف والخيارات الأميركية والأوروبية والإقليمية، وبالتالي إمكان الغوص في حرب أطول مما تمنته وتصوّرته، فحتى لو ظلّ الأميركيون وحلفاؤهم ممتنعين عن التدخّل، وهذا هو الأرجح، فإنهم سيبذلون كل ما يستطيعون لجعل المغامرة الروسية - الإيرانية أكثر كلفةً. لعل المقارنة بين الأزمتين في سوريا وأوكرانيا تظهر أن «المواجهة بالوكالة» في الثانية لم تبلغ الحسم، لكن التغييرات على الأرض رسمت خطوطاً لا بد أن تنعكس على أي حل نهائي، ثم إن الأطراف المعنية تبدو متوافقة على أسس تفاوضية لهذا الحل. أما في الأولى، أي سوريا، فتستعد روسيا وإيران الآن لحسم عسكري تعتبران أنه سيمهّد لحل سياسي تفرضان فيه ما يلبّي مصالحهما لا ما يحقق الاستقرار ويلبّي طموحات الشعب السوري. ولا شك أن حسم هذا الصراع سيكون صعباً وفقاً للسيناريو الشيشاني، أي بالإبادة والتدمير، غير أن الروس بدؤوا باكراً الإيحاء بأنهم يرجّحون خططاً لتقسيم سوريا تقوم أساساً على تثبيت «دولة الساحل» أو «الدويلة العلوية» استناداً إلى الحدود التي حرص النظام والإيرانيون على رسمها على الأرض، وينخرط الروس حالياً في دعم المعارك الهادفة إلى حمايتها. ولكن هل الإنجازات الميدانية ضد المعارضة ستستدرج الولايات المتحدة أو تجبرها على التفاوض مع بوتن وبناء على شروطه؟ بالطبع لا، وسيواصل أوباما سياسة عدم التدخل وتفادي أي مواجهة مع روسيا، أما ما يحرزه بوتن في سوريا فلا يعنيه كثيراً، بل سيعني الرئيس الأميركي التالي في البيت الأبيض.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...