


عدد المقالات 369
انقسمت الحركة الوطنية السودانية قبل استقلال السودان إلى تيارين، ينادي أحدهما بالاستقلال التام ويدعو آخر إلى اتحاد مع مصر. ولما حسم الأمر بالاستقلال التام بقي التيار الاتحادي موجوداً في الساحة السودانية بل احتفظ الحزب الاتحادي بجماهيرية مكنته من احتلال المركز الأول في انتخابات 1968، أي بعد الاستقلال باثنتي عشرة سنة. فما تفسير وجود الحركة الاتحادية حية وقوية رغم عدم تحقيق الاتحاد؟ الصفة الاتحادية أصبحت ذات مدلول تاريخي لتيار سياسي كان الاتحاد (أحد) عناصره. ولم تشكل (الاتحادية) العنصر الأساسي في هذا التيار. وليس أدل على ذلك من تماسك الحركة الاتحادية بعد تحولها إلى الاستقلال. ولو كان الاتحاد هو جوهر هذا التيار لانقسم على الأقل إلى تيارين يتمسك أحدهما بالفكرة متهماً الآخر بخيانة القضية. الحركة الاتحادية إطار لتيار اجتماعي يمثل لحد كبير تيار وعي متقدم. وهو تيار موجود قبل ظهور فكرة الاتحاد. ويمكن تلمس بعض ملامحه في الجماعات التي جادلت الإمام المهدي حول صحة مهديته، في مقابل تيار آخر قَبِل المهدية بدافع البحث عن منقذ بلا حاجة للتثبت، إذ تكفيه علامات الصلاح وتقنعه الكرامات. هذا التيار لم يكن مؤيدا للمهدية حتى بعد انتصارها أو أيدها مكرهاً. ولما جاء الحكم الثنائي الأجنبي ظهر لهذا التيار امتداد رفض الحكم الأجنبي، لكنه ميّز رفضه عن رفض المهديين للمستعمر. تيار رافض للاستعمار ومضاد للمهدية. تمظهر هذا التيار المستنير نسبياً في حركة كان الاتحاد أحد عناصرها كما أسلفنا، ولم يهتز عند تحوله للاستقلال. ولما اشتد الصراع بينه وبين القوى التقليدية تحالفت طائفة الأنصار الاستقلالية مع طائفة الختمية الاتحادية وأسقطتا حكومة إسماعيل الأزهري الاتحادية كأبلغ دليل على أن الصراع الحقيقي لم يكن بين اتحاد واستقلال بقدر ما كان بين قوى حديثة ناهضة وقوى تقليدية تخشى تمدد الحداثيين الجدد. للصادق المهدي رأي دقيق في هذه المسألة، حيث يعتبر أن الوطني الاتحادي تيار استقلالي لا تنطمس استقلاليته بالدعوة للاتحاد. ويعتبر حزب الشعب الديمقراطي الذي انشق عن الوطني الاتحادي وتحالف مع حزب الأمة لإسقاط أزهري حزباً تابعاً لمصر. ولا بد من وقفة عند ذلك التحالف العجيب لإثبات اختلاف منطلقاته عند المتحالفين. كان التحالف بين طائفتين بينهما صراع وخصومة الشيء الذي يدل على خطر أشد أنساهما خصومتهما المعروفة. وهو تحالف ضمّ أيضاً مثقفين من القوميين العرب غير المعنيين بالخصومة الطائفية. فإذا قصدوا إنقاذ الاتحاد الذي أضاعه أزهري فلن يكون إنقاذه بالتحالف مع غلاة الاستقلاليين الشيء الذي يضع أولئك القوميين موضع المكايدة السياسية لا غير. وثمة ملاحظة مهمة أخرى هي أن الاتحاد برأي الوطنيين الاتحاديين لم يكن يعني تذويب الكيان السوداني في مصر. ويدل على ذلك انتخاب حكومة سودانية خالصة أدارت الشأن السوداني في مرحلة الحكم الذاتي وكان من مهامها إجراء استفتاء لاختيار الاستقلال أو علاقة اتحاد (ما) مع مصر. وهذه نقطة تثبت أيضاً أن أمر الاتحاد لم يشكل جوهر الحركة الاتحادية. بعد مرور أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال. وبعد أن أصبح الخلاف الاستقلالي- الاتحادي جزءاً من التاريخ. وبعد أن أصبحت الاتحادية لا تحتكر تيار الاستنارة والاعتدال. لم يعد من معنى للصفة الاتحادية في هذه الحركة. وأصبح التمسك بها تمسحا بماض مشرف بعد أن افتقدت الحركة بريقها وعجزت عن مجاراة التطورات في السودان. وافتقدت الحركة الاتحادية في تيارها الأصل أبرز مميزاتها بوصول مرشد الطائفة الدينية إلى موقع القيادة السياسية فانتكست إلى حالة الكيان التقليدي الذي كانت تعيبه على الحركة الاستقلالية. أصبح الاسم الاتحادي عائقاً أمام مثقفين كثيرين يريدون العمل تحت مظلة الوسط المستنير لكنهم يتحفظون على هذه الصفة التاريخية. خاصة إن كانوا منتمين لتيارات ذات جذور استقلالية ولا يعجبهم الانخراط في حزب الأمة الاستقلالي.. ومن هنا تنبع أهمية ميلاد حركة وسط تتخلص من الإهاب الاتحادي وتتجاوز طائفية الحركة الاستقلالية. فالوسط في السودان ممزق بسبب هذا الخلاف الذي لم يعد له ما يبرره. وتزداد الحاجة للوسط بعد أن فشل الجنوح لليمين أو اليسار. فقد قدم الجانحون فصولاً في الاستقطاب الحاد والفجور في الخصومة، ما أسال الدماء بين أبناء المدرسة الفكرية الواحدة. الشيء الذي أكد صحة الاحتماء بالديمقراطية الكاملة التي تبناها الوسط القديم رغم علَّاته. تظهر بين الحين والآخر تنظيمات وسطية لكنها تغيب لافتقار آبائها لفضيلة الصبر. ويبدو أنهم لا يدركون أن نشأتهم في ظرف تاريخي عادي يحرمهم ميزة النشأة في ظرف تاريخي استثنائي كتلك التي نشأت فيها الحركتان الاتحادية والاستقلالية حين كانت الدعوة للتحرر الوطني تلهب الحماس وتدعو الجماهير للالتفاف حول التنظيمات الوطنية الناشئة.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...