


عدد المقالات 336
إن تحالف الحضارات ينبغي أن يمر في مسار طويل، يبدأ أولاً بمرحلة التعارف، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، والتعارف يعني فيما يعني أن أفهم الآخر على حقيقته، من غير تقديس أو تدنيس، ولا مبالغة مدح أو ذم، وهنا ينبغي أن نتصدى لنوعين من السلوك: السلوك الذي يجعل من الخلاف الديني مسوّغاً للحكم الظالم على الآخرين، فيطمس كل فضيلة عندهم، بل ويتضايق من مجرد ذكرها أو الإشارة إليها، والسلوك المعاكس وهو سلوك المنبهرين بالآخر انبهاراً يطمس فيه كل سيئة لهم، ولو كانوا هم أنفسهم يخجلون منها، ويدعون لمحاكمة المسؤولين عنها. إن مرحلة التعارف تتطلب دراسات معمقة، وتواصلا ثقافياً مستمراً، ومراكز علمية مشتركة بين كل الحضارات العالمية، تتسم بقدر عالٍ من الشراكة الفاعلة والأمانة العلمية الموثّقة، وتجنب المجاملات الدبلوماسية والمؤتمرات الاحتفالية. بعد مرحلة التعارف هذه، ننتقل إلى مرحلة البحث عن المشتركات الإنسانية التي تخدم البشر من الناحية العملية، مثل استخلاص ما تدعو إليه الديانات والثقافات الإنسانية في مجال القيم المؤسسة للتواصل والتعايش الآمن، كالصدق والأمانة والرحمة وحفظ العهد واحترام الإنسان ورعاية حقوقه المشتركة في الحياة والأمن والتعليم والعيش الكريم، منبهاً هنا أننا لسنا بحاجة أبداً إلى التقارب العقدي أو الديني، دعوا لكل أمة دينها من غير زيادة أو نقص، فخصوصية الدين ينبغي أن تبقى محترمة، واقتحامها مضر بالدين وبالإنسان أيضاً، فمثلاً تأليه السيد المسيح في الديانة المسيحية حقيقة لا ينكرها أحد، وكذلك تأليه بوذا عند البوذيين، وتأليه القبور ودعاؤها والطواف بها عند بعض الجماعات الباطنية المنتسبة للإسلام، بينما رسالتنا الإسلامية تقوم على التوحيد الخالص، وأنه «لا إله إلا الله»، فهذه المعتقدات ينبغي أن تظهر كما هي من غير تزييف أو تزيين، وبعد ذلك نترك الناس وما يختارون، «لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ»، فمن ظن أن مشروع تحالف الحضارات يعني تقريب الديانات أو المذاهب تقريباً عقدياً دينياً فهو مخطئ أشد الخطأ. إن تحالف الحضارات لا يعني أبداً التحالف أو التقارب بين الأديان ولا حتى بين المذاهب، فهذا غير ممكن لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية، وقد باءت كل محاولات التقريب بالفشل، لأنها في الغالب تقوم على نوع من المجاملات المكشوفة والتي تصل إلى حد الكذب والخداع. بعد مرحلتي التعارف واكتشاف المشتركات الإنسانية، تأتي مرحلة التحاور في المختلفات التي تعيق التواصل والتعايش، والكلام هنا عن المختلف الحضاري البشري، وليس المختلف الديني، ولا المختلف السياسي أو الاقتصادي الذي تمليه المصالح الدولية، فهذا تدافع قائم ما بقيت الدول، ولا يمكن أن نحلم بمجتمع إنساني خالٍ من تنافسات الدول وسعيها وراء مصالحها، لكن هناك فرق كبير بين حالة الصراع بين الدول، وحالة الصراع بين الحضارات. إن التساؤل المنطقي هنا: ما هو إذاً المجال الذي يمكن أن يتحرك فيه مشروع تحالف الحضارات؟ وما موقعه من ساحة الصراع الدولي؟ وهو موضوعنا القادم -إن شاء الله-.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...