alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

مقاييس..

18 يناير 2017 , 01:26ص

مقاييس الناس من قديم الزمان غريبة عجيبة، يُلبسون الغني التافه ثياب المجد، لا لأنه حقيقٌ بالمجد، بل لأنَّ لسانه ينطق بلغة الأرقام، فتشرئب إليه في المجالس الأعناقُ، وتصغي إلى كلامه المفكك الأسماعُ، وإذا ألقى بين الناس طُرفة مالوا على بعضهم من الضحك، وقد تكونُ أسخفَ طرفة في الكون، أما من عضّته الأيام بأنيابها، فلا مكان له في دنيا الناس، حتى ولو كان أفصح العرب، وأعظمهم: إن الغَنِى إذا تكلم كاذِباً قالوا صَدقتَ وما نَطَقتَ مُحالا وإذا الفقيرُ أصاب قالوا لم يُصِب وكذبتَ يا هذا وقُلتَ ضلالا إن الدراهمَ في المواطنِ كلِّها تكسو الرجالَ مهابة وجلالا فهي اللسانُ لمن أراد فصاحة وهي السلاحُ لمن أراد قتالا الفقير يعاديه كلُّ شيء: يمشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضِدَّهُ والناسُ تُغلِقُ دونه أبوابَها وتراه مبغوضاً وليس بمذنبٍ ويَرى العداوة لا يَرى أسبابَها!! بل حتى الكلابُ لها رأي فيه: حتى الكلابُ إذا رأت ذا ثروة خضعت لديه وحركت أذنابها وإذا رأتْ يوماً فقيراً عابراً نبحت عليه وكشرت أنيابها هكذا الكلابُ في كل زمان!. شكا الفضلاء منه قديماً: لعمري لقد قاسيتُ بالفقر شدة وقَعتُ بها في حيْرة وشتات فإن بُحتُ بالشكوى هتكتُ مروءتي وإن لم أبحْ بالصبر خِفتُ مماتي! فأعْظِمْ به من نازلٍ من مُلِمة يُزيلُ حيائي أو يزيلُ حياتي! قال أبو الطيب: فَلا مَجْدَ في الدّنْيَا لمَنْ قَلّ مَالُهُ وَلا مالَ في الدّنيا لمَنْ قَلّ مَجدُهُ لو رأى أبو الطيب زماننا لعلم صِدق قوله، ولرأى تعالي الوضعاء على الشرفاء، وما رفعهم إلا المال، وليس في عقولهم إلا الهواء!. مما وقع لأبي الطيب وجعله حريصاً على المال هذه القصة: عاتبوه طويلاً على حرصه، فقال: وَرَدْتُ في صِبَاي من الكوفة إلى بغداد، فأخذتُ خمسة دراهم بجانبِ مِنديلي، وخرجتُ أمشي في أسواق بغداد، فمررتُ بصاحب دكان يبيع الفاكهة، ورأيت عنده خمسة من البطيخ باكورة. فاستحسنتُها، ونويتُ أن أشتريَها بالدراهم التي معي. فتقدَّمتُ إليه وقلتُ: بكم تبيعُ هذه الخمسة بطاطيخ؟ فقال بغير اكتراث: اذهبْ، فَلَيْسَ هذا من أكلك! فتماسكتُ معه وقلتُ: يا هذا، دعْ ما يغيظُ واقْصِدِ الثَّمَنَ!. قالَ: ثمنُها عشرة دارهمٍ. فلشِدَّة ما جَبَهَنِي به ما استطعتُ أن أخاطبه في المساومة، فوقفت حائراً، ودفعت له خمسة دراهم فلم يقبلْ. وإذا بشيخٍ من التجار قد خرجَ ذاهباً إلى داره، فوثبَ إليه صاحب البطيخ من الدكان، ودعا له، وقال: يا مولاي، هذا بطيخ باكورة. بإِجازتك أحمله إلى البيت؟ فقال الشيخ: ويحك، بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم!! قال: بل بدرهمين. فباعَهُ الخمسة بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دُكانه مسروراً بما فعل. فقلت: يا هذا، ما رأيتُ أعجب من جهلك. اسْتَمْتَ علي في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنتُ قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعتَهُ بدرهمين محمولاً. فقال: اسكت، هذا يملك مائة ألف دينار، فعلمتُ أن الناس لا يكرمون أحدًا إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألفِ دينار. وأنا لا أزال على ما تراهُ حتى أسمعَ الناسَ يقولون إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار!. وداعاً!.

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...