


عدد المقالات 80
إنني أفهمُ أن يُعادي الناسُ بعضهم بعضاً، ويتباغضوا ويتقاتلوا، لكنْ أنْ يكونَ عدوُّك الدهر، وأن تتوعده بالحرب، وتستعين على ذلك بالصبر؟ فما سمعت بهذا إلا منك يا أبا الطيب: أُطاعِنُ خَيْلاً مِنْ فَوارِسِها الدَّهْرُ ** وَحيداً وما قَوْلي كذا ومَعي الصَّبرُ ما سرُّ عداوتك للدهر يا أحمد؟! قال: رَمانيَ الدَّهرُ بالأرزاءِ حتى ** فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ ** تكَسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ لكنك لم تعد تبالي، أذلك منك احتقارٌ للدهر أم ماذا؟ قال: وهانَ فَما أُبالي بالرَّزايا ** لأنِّي ما انْتَفَعتُ بأنْ أُبالي! نعم فهمتُ الآن! وماذا عن تعجب الدهر من صبرك؟ هل حدثك بشيء؟ قال: الدَّهرُ يَعجَبُ مِن حَملي نَوائِبَهُ ** وَصَبرِ جِسمي عَىّ أَحداثِهِ الحُطُمِ! نحن الذين نتعجب منك ومن دهرك يا أبا الطيب، لا ينتهي الصراع بينكما: لبستُ صروفَ الدهرَ أخشَنَ ملبَسٍ ** فعَرَّقنَني ناباً ومزَّقنني ظُفرَا لكن لا تنس سلمك الله أن الدهر نفعك أيضاً، فلولاه ما عرفك الناس، فضحك وقال: وَمَا الدَّهْرُ إلا مِنْ رُواةِ قَصائِدي** إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدَّهرُ مُنشِدَا إذن له فضلٌ عليك يا أبا الطيب؟ فرمقني حانقاً، وكأنه يقول إن الدهر هو الذي جعلني أنسى العشقَ والحبَّ، ولم تعد العيونُ وأعناقُ الفاتنات تغريني: لم يَترُكِ الدَّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي ** شَيْئاً تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ صدقت! نحن مثلك في كثير من الأحيان، لكن ماذا نفعل؟ لا تلمني إن قلتُ لك إنني أبحث في طيات نفسك عن شيء تمدح به الدهر، فلم أجدك تمدح ابتسامته لأحدٍ إلا لبعض ممدوحيك، بل جعلت ممدوحك هو الابتسامة في فم دهرك: لقد حَسُنتْ بكَ الأوقاتُ حتى ** كأنَّكَ في فَمِ الدَّهرِ ابتِسامُ! نسيتُ أن أخبرك أننا علمنا أن (بنت الدهر) التي ذكرتها في قصيدتك العظيمة لما أصابتك الحمى هي: المصيبة! وأن مصائب الدهر يتزاحمن عليك: أَبِنتَ الدهرِ عِندي كُلُّ بِنتٍ ** فَكَيفَ وَصَلتِ أَنتِ مِنَ الزحامِ؟! لكنك تحديتهنَّ بأنْ سَدَّت هِممُك عليهن طُرقَهُنَّ! وَلا أَظُنُّ بَناتِ الدهرِ تَترُكُنِي ** حَتَّى تَسُدَّ عَلَيها طُرقَها هِمَمي! قد أعذرك إن كرهتَ الدهر واحتقرته جداً، لأنه دهرُ (كافور)! ولا أكتمك سراً أنني ضحكتُ كثيراً عندما قرأتُ قولك: لعَمريَ ما دهرٌ بهِ أنت طيِّبٌ ** أيَحسَبُني ذا الدهرُ أحسَبُهُ دَهرَا؟! كيف لو رأيت (كوافير) دهرنا؟ ماذا عساك تقول؟ ألم يبلغك بأننا في (ربيعٍ عربي) يجعل الحليم حيران، والذكي غبياً؟ وإن كنتُ قد أحسنتُ فهمك كما يجب فإنني أقول إنك حقدت على الدهر والأيام والناس لأنك لم تبلغ مرادك، فهزَّ رأسه موافقاً لقولي: ومَنْ عَرَفَ الأيَّامَ مَعرِفتي بها ** وبالنَّاسِ رَوَّى رُمحَهُ غيرَ راحِمِ فَلَيسَ بمَرْحُومٍ إذا ظَفِروا بهِ ** ولا في الرَّدَى الجاري عَلَيهم بآثِمِ! أتريد أن تقتل الأيام والناس أيضاً؟! يا شيخ أحمد! نحن في زمن (الإرهاب العالمي) فاعذرني إن لم أُعلِّق على كلامك هذا! حسناً، اصدُقني القول، ماذا لو أنَّ الدهر تَصَوَّرَ أمامك في صورة رجلٍ، وكنتما في مواجهةٍ وجهاً لوجهٍ، أتتصالحُ معه أم ماذا تفعل؟ قال: ولو بَرَزَ الزَّمانُ إلى شَخصاً ** لخَضَّبَ شعرَ مَفرِقِهِ حُسامي! ويلك! أتقتله بالسيف؟! أيها الناس: من قال لكم إنني أعرفُ أبا الطيب المتنبي فلا تصدقوه!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...