alsharq

أسامة عجاج

عدد المقالات 604

العبادي.. ونظرية ملء الفراغ!

17 يناير 2015 , 06:49ص
ملاحظات عديدة، وانطباعات مختلفة، خرجت بها من اللقاء الأول، الذي جمعني مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مع عدد محدود من رؤساء تحرير الصحف المصرية، أثناء زيارته للقاهرة أوائل الأسبوع الماضي. ومنها أن الرجل يدرك حقيقة الحمل الثقيل والمهمة الشاقة، والتحديات غير المسبوقة، والظروف الصعبة التي يمر بها العراق، ودفعته دفعا، ليكون في مقدمة المشهد السياسي، مدعوما وبشكل غير مسبوق، من جهات عديدة، دولية وإقليمية وعربية، كان لديها تحفظات شديدة، على استمرار نوري المالكي في منصبه، كرئيس للوزراء لفترة قادمة، والذي لم يتخل عن تلك الرغبة، سوى بصعوبة بالغة، وقبل منصبا شرفيا قد لا يتناسب مع طموحه، وهو نائب للرئيس العراقي، وقد حسم الأمر في النهاية، رأي المرجعية الشيعية لآية الله العظمى علي السيستاني، وتراجع الدعم الإيراني لاستمراره.
يدرك العبادي الآمال المعلقة عليه، في حل كثير من المشاكل المتراكمة، منذ زمن المالكي، ليس أقلها انهيار ألوية من الجيش العراقي، بشكل مثير للدهشة أمام تنظيم داعش، ويبرر هذا الانهيار، بحالة الاحتقان السياسي، ناهيك عن الفرز الطائفي، الذي أسهمت فيه السنوات السابقة، بصورة خلقت تهميشا كاملا، لطائفة مهمة مثل سنة العراق، وهو يحاول عبر برنامج حكومته، والتي يشارك فيها عناصر سنية، أن ينهي هذا الوضع، كما شهد عصر المالكي استعداء للأكراد، فجاء هو، وعقد اتفاقا قال عنه إنه مبدئي، ولفترة عام، حل بمقتضاه مشكلة تصدير النفط، وحصة المنطقة الكردية في الموازنة العامة للدولة، كما شهد العراق انقساما حول المالكي، حتى داخل الشارع الشيعي، بعلاقات متوترة مع جماعات وتيارات، وفي المقدمة منها جماعة مقتدى الصدر. أما على المستوى الإقليمي، فحدث ولا حرج، أزمات في العلاقات مع دول الجوار، خاصة في الخليج، واتهامات من دون أدلة على تورط دول خليجية كما ادعى، في دعم الإرهاب في بلاده، وحاول العبادي علاج ذلك بزيارات ولقاءات مع كل دول الخليج.
يتسم الرجل بواقعية قد نفتقدها، فالأمور عنده ليست إما أبيض أو أسود، دون اعتبار لوجود ألوان أخرى، وبدرجات متفاوتة، ولهذا فقد تحدث وبالتفصيل، حول رؤيته حول طبيعة علاقات بلاده بالمحيط الإقليمي، فهو أكثر إدراكا بطبيعة تعقيدات المنطقة واختلاف رؤى دولها، والاستقطاب الحاد فيها، والتداخل بين ما هو إقليمي وما هو دولي، ولذلك فهو لا يحلم بتحقيق سياسية «تصفير المشاكل» أو تصفيتها ووضع نهاية لها، ولكن العبادي يتحدث بلغة ثانية، فالمشاكل موجودة وستظل، حتى داخل الدولة الواحدة، والمهم في تلك الحالة، العمل على تعزيز ما هو مشترك وخلق المصالح المتبادلة، والبناء عليها، ومحاولة استيعاب المشاكل والعمل على حلها. فيكفيه في هذا الظرف، التوصل مثلا مع الكويت إلى اتفاق لتأجيل دفع التعويضات المقررة من مجلس الأمن عن خسائرها من الغزو العراقي في زمن صدام حسين، ومع إقراره بالأهمية الخاصة للعلاقات بين العراق وإيران، بحكم الجوار الجغرافي، وأن كل الحدود الشرقية للعراق مع إيران ولكن ذلك لا يمنع من وجود مشاكل متعلقة برسم الحدود وعلى آبار نفطية مشتركة، كما هو الحال مع الكويت، وعلى تقييم التحالف الدولي ضد داعش، فإيران تتعامل كخطر على المنطقة ودولها، بينما ترى فيه العراق ضرورة لمواجهة التنظيم، الذي يسعى لأول مرة لتكوين دولة، على عكس ما حدث مثلا مع تنظيم القاعدة، كل ذلك لا يمنع على حد قوله، من تنمية العلاقات المشتركة، دون إهمال الجهد في حل الخلافات القائمة التي لا يجب أن تعيق تعزيز المصالح المشتركة.
يفكر حيدر العبادي «خارج الصندوق»، وأمامه «هم كبير» وأزمة في دولة جارة، ومهمة مثل سوريا، تؤثر على أمنه واستقرار بلده، فداعش بدأت من سوريا، وسط لا مبالاة دولية، وصراع إقليمي، دون انتباه إلى خطورة ذلك التنظيم، رغم توافر المعلومات الموثقة لدى العراقيين على الأقل، في مرحلة مبكرة. والحل يبدأ من إنهاء الأزمة السورية، وفق مجموعة من المبادئ الأساسية، التي يؤكد عليها، ومنها أنه لا يعمل ضد سيادة سوريا، ولا النظام القائم فيها، وأنه في الوقت نفسه يعترف بجرائم ومأساة إنسانية، ونزيف لدم الشعب السوري ولكن البديل المنطقي عنده، والأولوية الأولى لوقف المأساة، بعيدا عن طرح مبادرات سياسية، فشلت جميعا في تحقيق أي إنجاز، ويكفي النظر إلى نتائج جنيف-1 وجنيف-2، والمشاكل التي تواجه انعقاد مؤتمر موسكو، وهو يعتقد أنه ليس من المهم في تلك المرحلة، البحث في شرعية النظام من عدمه، فهذا سيقرره الشعب السوري، ما يقلق العبادي، أننا أمام أوضاع على الأرض غريبة، قسمت سوريا ثلاثة أقسام: الأول يسيطر عليه داعش، والثاني تحت سيطرة المعارضة، والأخيرة تحت سطوة النظام، ومخاوف العبادي من سؤال ماذا بعد أن يتمكن التحالف من القضاء على تنظيم داعش؟ الاحتمال الأقرب، أن يخلفها تنظيم إرهابي آخر، وأن اختلفت الراية، كجبهة النصرة مثلا، وكأن التحالف لم يحقق شيئا، خاصة أنه ليس هناك أي دولة في العالم، على استعداد لإرسال قوات برية إلى سوريا أو العراق، والمقترح الخاص بالعبادي، يتلخص في نظرية «ملء الفراغ» ما بعد داعش، من توليفة تدير تلك المناطق بمشاركة بين المعارضة المعتدلة والنظام، ونجاح ذلك قد يمهد الطريق للحل الشامل للأزمة، ويخلق مساحات من الثقة المفقودة بين الطرفين، وحينها يمكن البحث في إجراء انتخابات عامة، والتوافق على تعددية حزبية حقيقة، وقناعة العبادي أن الظروف الحالية بعد كل الذي جرى في سوريا، قد تكون مواتية. نتيجة وجود بوادر تغير، في مواقف العديد من الأطراف الفاعلة على الساحة السورية، ومن ذلك دول الخليج، أو تركيا، أو الولايات المتحدة الأميركية، قد يكون العبادي حالما، عندما يسعى إلى الجمع بين النظام والمعارضة، يجوز. ولكن هل نحاسب الرجل على حسن النوايا لا أظن؟
يدرك العبادي أن «الأقربون أولى بالمعروف»، ولذلك سبقت رحلته إلى القاهرة، المرور بعدد من عواصم الخليج، فقد زار العبادي الإمارات والكويت، وذهب الرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى السعودية، وكذلك رئيس مجلس النواب، كما شهدت العلاقات بين الرياض وبغداد تحسنا كبيرا في الفترة القريبة الماضية، وفي القاهرة وجد الأرض ممهدة، لبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، فهناك حاجة مشتركة، وإمكانات لتبادل مصالح، بغداد في حاجة للذخائر المصرية في حربها مع داعش، خاصة أن البلدين ما زالا يملكان كميات كبيرة من السلاح الشرقي في الخدمة، كما أن مصر يمكن أن تكون عاملا مهما، في العمل الأمني والاستخبارات في الحرب ضد الإرهاب، وكذلك الاستفادة من خبراتها في هذا المجال، وفي المقابل، مصر تعيش أزمة اقتصادية، والعراق قد يكون جزءا من منظومة العمل على تخفيفها، من خلال السماح بزيادة مشاركة الشركات المصرية في إعادة تعمير العراق، بالإضافة إلى إمكانية تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري وزيادة حجم الاستثمارات العراقية.
هذه هي انطباعات مبدئية، للقاء الأول مع رئيس وزراء العراق حيدر البغدادي.

usama.agag@yahoo.com •
وشهد شاهد من أهلها!

لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...

سدّ النهضة.. أزمة في انتظار الحسم

عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...

ألغام في طريق الحوار!

هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...

تونس.. العبور من الأزمة

إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...

قرار الضمّ.. مواقف متخاذلة (1-2)

عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...

سد النهضة.. مرحلة الحسم (2-2)

بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...

سدّ النهضة.. السودان وتصحيح المسار (1-2)

أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...

الكاظمي.. السير في حقل ألغام

بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...

في ليبيا.. سقطت الأقنعة (1-2)

المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...

في لبنان.. مناطحة الكباش!!

أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...

الكاظمي.. مرشّح الضرورة!

لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...

نتنياهو.. السياسي «المتلّون»

لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...