alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

.. عند هارون الرشيد!

16 نوفمبر 2016 , 01:49ص

يُعد العصرُ العباسي من أزهى العصور في تاريخنا؛ لاسيَّما زمن هارون الرشيد، أعظم خلفاء بني العباس على الإطلاق.. وأخباره لا تنتهي، وقد استوقفني في أخباره قصص عجيبة إحداها مع زوجته العربية القرشية العباسية الهاشمية الأصيلة: زبيدة، واسمها الحقيقي: أمة العزيز؛ وسماها جدها العظيم أبوجعفر المنصور زبيدة؛ لبياضها وجمالها. استولت زبيدة على قلب هارون الرشيد، وكان يحبها حباً شديداً، وفي مرة كانت معه في لحظة صفاء، فجاءه مالٌ وفيرٌ، فقالت زبيدة: هبه لي يا أمير المؤمنين، فقال: هو لك.. ثم خرج من عندها وهو يضحك ويقول لجلسائه: زبيدة.. أعطيتها المال ثم لم ألبث أن سمعتُ منها قبل أن أخرج قولها: ما رأيت منك خيراً!! إنه طبع النساء! وكان (موسى الهادي) أخو هارون الرشيد الخليفةَ قبل هارون، وكانت له جارية اسمها (غادر)! وقد جعل الله فيها من جمال الوجه والصوت ما يسلب عقول الرجال، وكان موسى هذا في مجلسه يوماً، وهي تغني وتُطربهم، ثم فجأة تغير وجه موسى وظهرت عليه الكآبة والحزن، فسأله جلساؤه: ما لك يا أمير المؤمنين؟! قال: لقد وقع في قلبي أن جاريتي (غادر) يتزوجها أخي هارون بعدي. فقالوا: أطال الله بقاءك يا أمير المؤمنين، وأخذوا يهدئون من روعه. فقال: لا يكفي هذا، أحضروا هارون. فلما حضر أخبره بما يجد في نفسه، فقام هارون الرشيد يخفف من حزنه وخوفه، فقال موسى: لا.. حتى تحلف لي بكل حلفٍ ألا تتزوج (غادرَ) بعد موتي، فحلف هارون بأغلظ الأيمان ألا يتزوجها. ثم دخل موسى الهادي على الجارية فأمرها أن تعده وتقسم له بكل يمين ألا تتزوج بعد موته، فأقسمت له بالله ألا تفعل. وما هي إلا أيامٌ ثم توفي (موسى الهادي)، وأصبح (هارون الرشيد) خليفة للمسلمين. فتعلق قلبه بغادر، تلك الجارية الفاتنة الساحرة، ولم يستطع الصبر عنها، فأخبرها، فقالت: يا سيدي كنا أقسمنا أنا وأنت في زمان موسى، فكيف بها؟! فقال: أكفِّر عن تلك الأيمان بأن أحجّ ماشياً! فتزوجها وحج ماشياً ليمينه، وأحبها حُبّاً عظيماً، حتى إنها كانت تنام فيضع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تتنبه، فبينما هي نائمة ذات ليلة إذ انتبهت فزعة، فقال لها: ما لك؟! فقالت: رأيت أخاك (موسى) في المنام الساعة وهو يقول: أخلفتِ عهدي بعدما جاورتُ سُكَّانَ المقابرْ؟! ونسيتني وحنثتِ في أيمانِك الكذبَ الفواجرْ؟! ونكحتِ غادرةً أخي؟! صدق الذي سمَّاك (غادرْ)! أمسيتُ في أهل البِلى وعُدِدْتُ في الموتى الغوابرْ لا يهْنِكِ الإلْفُ الجديدُ ولا تَدُرْ عنك الدوائرْ! ولحقتِ بي قبل الصباح وصرتِ حيثُ غدوتُ صائرْ!! والله يا أمير المؤمنين فكأنها مكتوبةٌ في قلبي ما نسيت منها كلمة. فقال هارون الرشيد: هذه أضغاث أحلام، وحاول أن يصرفها عن التفكير فيها دون جدوى. فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين ما أملك نفسي. وما زالت ترتعد حتى ماتت قبل الصباح! وكأن الله استجاب دعوة موسى عليها: ولحقتِ بي قبل الصباح وصرتِ حيثُ غدوتُ صائرْ! ماتت غادِر، ومات هارون ولم يبق إلا أخبارهم.

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...