


عدد المقالات 369
بعد نجاح الثورة الشعبية السودانية في اقتلاع نظام «الإنقاذ»، حرص كتّاب سودانيون كُثر على التذكير بأن هذه الثورة هي الثالثة في تاريخ السودان الحديث، كدليل على عبقرية هذا الشعب وعلى توقه الأصيل للحرية. وحقّ لهؤلاء الكتّاب أن يتباهوا بالشعب الذي ينتمون إليه وبمعالم تميّز مسيرته وبصفات يختص بها دون غيره. لكن نسبة معتبرة من الكتّاب ذاتهم يشاركون في مناسبات أخرى بمقالات تصف الشعب السوداني بأنه شعب كسول «ينام» على أرض واعدة بالخير، فلا ينعم بخير أرضه شاكياً الفاقة وكل تبعات الفقر؛ فيحتار القارئ لأي الفريقين ينحاز: ألمن يزعم عبقرية لهذا الشعب الموصوف بالمعلم، أم للفريق الآخر الذي لا يعدم حججاً حين يدّعي أن السودانيين كسالى متواكلون لا يأبهون بالوقت ويتبرمون من ضوابط العمل؟ الشعب السوداني -كغيره من شعوب الأرض- يحمل مزايا ويتصف بسلبيات. وعليه يفترض أن توظف المزايا وتوجّه للبناء، مع معالجة السلبيات بلا أي ميل للبكائيات اليائسة التي توحي وكأن سلبيات السودانيين -دون غيرهم من شعوب الأرض- قدر حتمي لا فكاك منه. هذه النظرة المتأرجحة بين المدح المفرط والاستسلام لقدرية السلبية السوداني، تفسّرها النظرة الجزئية التي يتصف بها كثير من المثقفين السودانيين، فتركز المعالجة على جانب وتغفل آخر، رغم أن الأمر المهم يحتاج إلى نظرة كلية محيطة. بهذه الطريقة الجزئية يعجب المثقف السوداني أيما إعجاب بالمجاملة السودانية، ويتفنن في إيراد نماذج من مجاملات السودانيين في الأفراح والأتراح، وكيف أنهم لا يكتفون عند مواساة أهل الميت بالتشييع إلى المقابر، بل يقضون بقية اليوم في «سرادق» العزاء، ثم يعودون عند رفع الفراش، وفي مناسبات الأفراح يسافرون إلى مدن وقرى بعيدة لإشعار أهلهم البعيدين بالإعزاز، فيدفعون المال ويرقصون ويزغردون وتهون عندهم متاعب الأسفار وإنفاق المال ما داموا قد جاملوا الأهل وجبروا الخواطر. الشخص ذاته المعجب بهذه الصور الاجتماعية الباهرة ينتقد السودانيين الذين يطيلون الغياب أثناء ساعات العمل، متناسياً أن الغائبين عن العمل هم الذين يشكلون حضوراً لافتاً في سرادق العزاء وفي صالة الأفراح. تُعزى هذه الرؤية المضطربة إلى المنهج الجزئي الذي لا بدّ من أن يستبدل برؤية تخلق التوازن المطلوب الذي يحفظ للسودانيين قدراً معقولاً من إرثهم في التواصل الاجتماعي، مع مواكبة لمستجدات المجتمع الحديث من ضوابط في شتى مناحي العمل والإنتاج. تعين على تقديم هذه الرؤية تجربة السودانيين في المهجر، حيث خضعوا -طائعين أو مجبرين- للضوابط والتعليمات، واحتفظوا بتقاليد اجتماعية سمحة جاؤوا بها من وطنهم، حتى لفتوا انتباه وإعجاب الجاليات الأخرى وهي تتابع تكاتف وتكافل السودانيين الذين يجمعون التبرعات لإعانة مريض أو سداد دية أو سفر شخص تقطعت به السبل. وهم في كل هذه الأمثلة من التعاون والإيثار لا تربطهم صلة قربى أو معرفة بالشخص المعنى؛ إذ يكفيهم صدور النداء عن سوداني لإغاثة سوداني لم يروه ولن يروه. أثبتت تجربة المهاجر أن هذه الخاصية أصيلة لدى السودانيين، ويمكن تطويرها عبر العمل الجماعي الطوعي من خلال المنظمات والجمعيات الخيرية بدلاً من جهود فردية لن تثمر مشاريع ضخمة، مهما كانت الجهود ومهما حسنت النوايا. كما أكدت التجربة أن دعوى الكسل ليست دقيقة وأن الصحيح هو أن السوداني «ماهل»، وهي صفة تعود إلى مجتمع زراعي أو رعوي بسيط كان يعيشه السودانيون قبل التعقيدات التي طرأت على المجتمعات التقليدية. لم يكن الناس حينها كثيري الحاجات؛ إذ يكفيهم ما يحصدونه في موسم الحصاد، ثم يقضون بقية العام في استرخاء، يجاملون بعضهم بعضاً بلا أدنى إحساس بأنهم في حاجة لهذا الزمن الفائض. هذه «المَهْلة» قد تكون مدخلاً للكسل وقد تكون أساساً للتأني والتجويد؛ فيكون «الماهل» مهيأ للإتقان إذ دُرّب وأُهّل.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...