alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 16 سبتمبر 2026
تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

الإسلاميون وتجربة المشاركة الديمقراطية (2-2)

16 يوليو 2013 , 12:00ص
لقد حاولت الواجهات السياسية للجماعات الإسلامية أن تستقل مراكب الديمقراطية لتنفيذ مشروعها، بيد أنها وقعت بين مطرقة التشكيك (الديمقراطي) وسندان الأصولية (الإسلامية)، فالديمقراطيون لا زالوا يتشككون في النوايا الحقيقية للإسلاميين، ولديهم مخاوف كبيرة من انقلاب هؤلاء الإسلاميين على الديمقراطية ومبادئها، أما الجماعات الإسلامية المتشددة فإنها لا تتوانى في إصدار فتاوى التكفير لهؤلاء الإسلاميين لقبولهم بالديمقراطية بديلا عن دين الله، وهذه في نظرهم ردّة فاقعة لا مجال فيها للاختلاف أو الاجتهاد، وهذا ما يفسر حملات التصفية الجسدية التي تعرض لها الحزب الإسلامي العراقي في تجربته الوليدة، والتفجير الضخم الذي تعرضت له قناة بغداد المقربة من الحزب مع أنها القناة السنّية الوحيدة في العاصمة العراقية آنذاك. وأذكر أني قابلت أحد الأتراك المتشددين والمتمسكين بالهدي الظاهر، والذي أخبرني بأنه منذ سنوات لم يصل الجمعة في المسجد لأن هذه المساجد تابعة لحكومة غير إسلامية وأن أئمتها موظفون في هذه الحكومة، وحين ذكرت هذا لعميد كلية الإلهيات قال: والله يا أخي أنا كنت واحدا من هؤلاء وكنت أفتي بمقاطعة الانتخابات، وكنت أعتقد أن العلمانيين أهون شرا من الإسلاميين الذين يلوون أعناق النصوص الدينية لتبرير مشاركاتهم في هذه الحكومات! نحن إذاً أمام مشكلة حقيقية أعمق بكثير من تلك المماحكات أوالمجادلات السياسية، إنها مشكلة تمتد في عمقها التاريخي إلى تلك المرحلة التي تم فيها اغتيال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بتهمة تحكيمه للبشر وتنازله عن الحاكمية الإلهية! إنها مشكلة ذات أبعاد متشابكة عقدية وفلسفية وثقافية أكثر مما نظن. تبدأ المشكلة حينما تتبنى الجماعات الإسلامية في مناهجها التربوية والتثقيفية مقولة (حكم الله) بينما تتبنى واجهاتها السياسية مقولة(حكم الشعب أو حكم الأغلبية)، ومن حق الناس أن يتساءلوا هنا؛ هل نحن أمام مشروعين مختلفين؟ أو هو التكتيك الذي تقتضيه طبيعة المرحلة؟ ثم لو لم يتمكن الإسلاميون من الحصول على تأييد الأغلبية البرلمانية لحكم من أحكام الله فهل سيتنازلون فعلا عن هذا الحكم لصالح الديمقراطية؟ نعم ربما يعوّل الإسلاميون على فكرة أن شعوبنا هي شعوب مسلمة وبالتالي فهي لن ترفض الإسلام في مقابل أي نظام آخر، ومع أن هذه الفكرة تبدو منطقية إلى حد ما لكن الذي يشغب عليها: أولا: مدى الوعي الشعبي برسالة الإسلام وشموليته وقدرته التشريعية على استيعاب احتياجات المجتمع وتحدياته وإشكالاته، إن هذه الشعوب هي التي احتضنت كل الأحزاب القومية والعلمانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي التي تزدحم في صالات الفن الهابط وحفلات الخمر والميسر والتبرج، وهي التي صفّقت للزعماء الذين مارسوا كل أنواع التعذيب بحق الإسلاميين، وهم مع كل هذا يزدحمون أيضا في المناسبات الإسلامية كالحج والعمرة وصلاة التراويح! وقد لا يكون هذا كله انقساما في التركيبة الشعبية، بل هناك قدر كبير من التداخل والتشابك، فمن تجده هنا قد تجده في اليوم الثاني هناك! ثانيا: لو افترضنا أن هذه الشعوب ستختار نظام الحكم الإسلامي فكيف سنتأكد من أنها سترضى بهذه الأحزاب لتطبيق هذا النظام؟ فالسياق كله سيبدو مختلفا، فهناك الكثير من مجتمعاتنا لا يأخذون الدين إلا حينما يصدر من مؤسساته ورموزه العلمية وليس من الأحزاب الإسلامية، وهذا سلوك طبيعي، فالفتوى الدينية لا تؤخذ من الأحزاب ولا حتى من دوائرها الشورية، حيث أن أغلب هذه الدوائر تقوم على أساس التمثيل الانتخابي وليس الكفاءة العلمية، وفوز العضو في الانتخابات الداخلية لا يؤهله للاجتهاد الشرعي، ولذلك رأيت الكثير من شباب الأحزاب الإسلامية يستفتون العلماء في الكثير من القضايا حتى لو كانوا خارج السياق التنظيمي، فكيف بعامة الناس؟ والمتابع لحركة المجتمع العراقي يجد هذا واضحا، فالمقاومة انطلقت بفتاوى العلماء وليس من مجالس الشورى، والحراك اليوم يستمع لفتاوى العلماء وتوجيهاتهم بل هم الطرف الأبرز في قيادته وإدارته، وهذه الإشكالية لا تحل إلا باندماج الفتوى والتأصيل الشرعي والهيبة الدينية مع البرامج السياسية لهذه الواجهات أو الأحزاب الإسلامية، ولكن الطرف الآخر لا يفتقر إلى أدوات الاستيعاب هذه، وقد رأينا هذا واضحا في موقف الشيخ البوطي من الثورة السورية، ثم موقف شيخ الأزهر من الانقلاب العسكري على الرئيس (الإسلامي). ربما أدرك مؤسس جماعة الإخوان الشيخ حسن البنا هذه المعادلة الصعبة فقال بالحرف الواحد: (لسنا حزبا سياسيا وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا)مجموعة الرسائل197، وفي رسالته إلى الشباب وضع الخطوات العملية لتطبيق النظام الإسلامي؛ الفرد المسلم ثم البيت المسلم ثم الشعب المسلم ثم الحكومة المسلمة، ومن مجموع كلامه هذا وتوصياته وتوجيهاته الأخرى نستطيع أن نجزم أن البنا لا يرى الحزبية طريقا لقيام الدولة الإسلامية، وربما ذهب أبعد من هذا فقال بعنوان بارز: (الإسلام لا يقر الحزبية) الرسائل168. تعرضت نظرية البنا هذه لكثير من المراجعات الداخلية والانتقادات الخارجية، لكن التفكير التأصيلي العميق لا يمكن إلا أن يصل إلى هذه النتيجة، فالإسلام دين الأمة، والأمة كلها هي المخاطبة بحمل الإسلام عقيدة وشريعة وسياسة، وإذا كانت الأمة لم تصل بعدُ إلى المستوى الذي تستوعب فيه شمولية الإسلام فلا يمكن أن يكون الحل بفرض هذا من خلال التكتيك الديمقراطي، ولا من خلال استخدام العنف ولهذا يقول حسن البنا: (أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها)الرسائل136. تجدر الإشارة هنا إلى أن ما بين فكر البنا وممارسات الإخوان التالية مساحة أخرى تتطلب قدرا من التفاكر والتناظر، وللإسلاميين ربما أن ينحازوا بصدق إلى الديمقراطية كبديل مريح عن الأنظمة الاستبدادية والتسلطية، وليست بديلا عن الإسلام، فإذا كان الوضع العام ومستوى الوعي الشعبي اليوم لا يسمحان بقيام الدولة الإسلامية، فإن هذا لا يعني أننا نفقد جميع الخيارات، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرجح لأصحابه حكم الحبشة على حكم مكة لما كان يتمتع به النجاشي حاكم الحبشة من العدل والمروءة، بل إن يوسف عليه السلام رضي أن يعمل في حكم الملك ووفق نظامه حتى قال القرآن: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) كل هذا ليحقق مصلحة عليا لشعب مصر ويدفع عنهم خطر الجوع، فالموضوع أوسع بكثير من الخيار الثنائي إما دولة إسلامية نواليها وإما دولة جاهلية نعاديها. إن حاجة المجتمعات إلى تأسيس قواعد العدل والحرية والتنمية والفصل بين السلطات هي حاجة عامة لا تخص مجتمعا دون آخر، ولا يضر المسلمين أو الإسلاميين أن يعملوا مع شركائهم في الأرض للوصول إلى هذه الغاية الجليلة، وهذه المساحة لا تتحكم فيها قواعد الولاء والبراء، بل ينبغي اختيار الأكفأ والأقدر على تحقيق هذه الغاية، وهذه مثلها مثل الخدمات العامة كالطب والهندسة فأنت تبحث عن الطبيب الذي تظن فيه القدرة على علاجك ولا تبحث عن الطبيب الذي يوافقك في الفكر والانتماء، وعليه فإن الحشد المعنوي في هذه المرحلة لن يؤدي إلى تحقيق هذه الغايات بقدر ما يؤدي إلى إثارة النعرات والانقسامات داخل المجتمع الواحد، ولذلك تنبهت بعض الجماعات الإسلامية إلى حذف الشعارات الأيديولوجية من عناوينها وأدبياتها واكتفت برفع الأهداف المجتمعية العامة مثل (العدالة والتنمية) أو (الحرية والتنمية) وهذا ينبغي أن لا يكون فيه شيء من التكتيك أو الخداع، فهذه أهداف مشروعة بحد ذاتها ولها الأولوية في المرحلة التي نعيش، وينبغي أن يتصدى لها الأكفاء والمؤهلون وليس الأكثر التزاما أيديولوجيا أو انضباطا تنظيميا، وهذه المرحلة هي التي ستؤسس للثقة المتبادلة وتتيح لدعاة الإسلام أن يمارسوا دورهم في بناء الشعب المسلم والأمة المسلمة والدولة المسلمة، وأن يكونوا روحا في هذه الأمة وليس طرفا منافسا أو مخاصما فيها.
لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...