


عدد المقالات 336
فقد العراق الأسبوع الماضي واحداً من أبرز دعاته المتصدين للشأن العام، والذي ترك بصماته الواضحة والعميقة في مختلف المجالات. كان اسم الدكتور عدنان يتردد كواحد من الروّاد الأوائل للدعوة الإسلامية، منذ أواسط القرن الماضي، ومن الذين تصدّوا ببسالة للمد الشيوعي في ذلك الوقت. توطّدت علاقتي بالفقيد بعد زيارات قام بها للفلوجة أواسط الثمانينيات، ثم تردده للصلاة في المسجد الذي كنت أخطب فيه ببغداد، وقد أدركت حينها أنه يؤسس لعمل دعوي جديد، بعيد عن التنظيمات التي أرهقت الدعوة وأضرّت بالدعاة، فكان بيته مثل خلية النحل، يأتي إليه الناس من كل حدب وصوب، يقيلون عنده ويبيتون، كان فيهم السلفي والصوفي والإخواني ومن عامّة الناس، وكان يرفض الحديث في السياسة والجماعات والتنظيمات، مركّزاً جهده في الدعوة العامة، وفي تنشيط الدورات القرآنيّة، بالتعاون مع الجميع، حتى شكلت ظاهرة كبيرة، بحيث بلغ عدد المنتسبين إليها قرابة النصف مليون من بنين وبنات وطلاب ومدرّسين، وكان يوصي بالانفتاح على الجميع وعدم التصادم مع أحد مهما كان، وكان يتعهد هذه الدورات، حتى بعد أن اضطرته الظروف الأمنية للهجرة والاستقرار في الأردن الشقيق. في الأردن التقينا هناك، واستضافني في بيته لأكثر من شهر، فعرفته عن قرب، كان أباً للجميع، يسأل ويتابع حتى في أدق التفاصيل، وكان الناس يفِدون إليه من داخل الأردن ومن العراق والخليج واليمن وتركيا وماليزيا وغيرها، ولا أذكر يوماً واحداً مرّ عليه من غير ضيوف، ثمّ قدّر الله لي أن أعمل معه في الجامعة، وأن نتجاور في السكن قرابة العامين، وأستطيع أن أجزم أن الصفات التي اجتمعت في هذا الرجل لم أرها مجتمعة في غيره. بعد الكارثة التي حلّت في العراق على يد الأميركان قرر الرجوع إلى العراق، وهناك زرته أيضاً في بيته عدة مرّات، كان من بينها مرة جمع فيها كل من أعرفهم من رموز أهل السنة على اختلاف مشاربهم، وكان رأيه الصريح والواضح منذ ذلك اليوم أن أهل السنّة إن لم يشاركوا في كل مؤسسات الدولة التي بدأت بالتشكّل فإنهم سينتهون، وأن البلد سيختطف تماماً من قبل إيران، ومن هذا المنطلق قرر استلام الوقف السنّي للحفاظ على مساجد السنّة ومدارسهم الدينية، وممتلكات الوقف التي لا تكاد تحصى، وقرر تشكيل جبهة التوافق التي ضمّت مختلف التوجّهات الدينية والعشائرية وغيرها، وقد حققت نجاحاً سياسياً ملحوظاً وغير متوقع، خاصة مع حالة التشظّي الداخلي لأهل السنّة، وغياب السند العربي والإسلامي، وضغط المشروع الإيراني المتحالف بوضوح مع القوات الأميركية. خرج الدكتور عدنان مرة أخرى من العراق ليحذّر العرب والمسلمين من الخطر القادم، وكأنّه النذير العريان، وقد دفع الثمن الباهظ في ذلك من نفسه وأهله وماله. لم يكن يرغب بالخلاف مع أحد، لكن عمق المحنة وبحثه الصادق عن الحل اضطرّه إلى طرح أفكار جريئة، ربما كان مصيباً فيها أو مخطئاً، وربما قصّر مخالفوه أيضاً في دراسة مواقفه دراسة علمية موضوعية، خاصة في مشاركته السياسيّة ودعوته للفيدرالية فظلموه وظلموا أنفسهم، وهناك تجتمع الخصوم، ونسأله تعالى المغفرة لنا وله وللجميع.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...