


عدد المقالات 369
رحل عن دنيانا الفانية في الأسبوع الماضي الدكتور محمد يوسف أبوحريرة, فأعاد برحيله إلى الأذهان قصة وزير مثير للجدل. تولى أبوحريرة وزارة التجارة في إحدى حكومات الصادق المهدي خلال فترة الديمقراطية الثالثة التي امتدت من 1986 إلى 1989 بعد عام انتقالي أعقب سقوط حكم الرئيس نميري في 1985. كان أبوحريرة من وزراء الحزب الاتحادي الديمقراطي المؤتلف مع حزب الأمة, وتولى وزارة ارتبطت تقليدياً بالاتحاديين الذين ينتمي إليهما القطاع الأكبر من التجار, لكن الوزير الذي كان أستاذاً للقانون تبنى سياسات لم تعجب التجار بما فيهم تجار حزبه, فقد كان متشدداً في تطبيق ضوابط الاستيراد والتصدير وفي تحديد التسعيرة, بل استورد خرافاً من أستراليا لمحاربة جشع التجار والجزارين حسب رأيه. انقسم الناس فريقين تجاه سياسات أبوحريرة, فقد اعتبره البعض وزيراً منضبطاً يفرض الضوابط التي يفترض أن يتبعها أي وزير يدير هذه الوزارة المهمة المرتبطة بمعاش الناس. وارتفعت شعبيته وسط الجماهير باعتباره منحازاً للفقراء ولقضاياهم, لكن الفريق الآخر اعتبره حرفياً متأثراً بدراسته للقانون, ومفتقراً للمرونة التي ينبغي أن يتصف بها السياسي, بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك زاعمين أن أبوحريرة ليس سياسياً. وهنا يثور الجدل حول المواصفات التي ينبغي توفرها في الوزير, وهو جدل يسوقنا لاستعراض مسيرة الوزراء منذ الاستقلال. انخرط في حركة التحرر الوطني رجال تخرجوا سياسياً في مؤتمر (الخريجين) العام. يتضح من اسم المنبر السياسي الذي انطلق منه الرواد الأوائل أن التعليم العالي (نسبياً) كان المؤهل الأساس للسياسي, مع ضرورة التذكير بأن المنخرط في هذا العمل هو سياسي في الأصل, فقد انخرط خريجون آخرون توفر لهم شرط التعليم في مجالات أخرى, مفضلين البعد عن السياسة ومتاعبها, وعليه كان وزراء الحكومة الوطنية الأولى من المتعلمين الذين ألزموا أنفسهم بشروط العمل السياسي, وأهمها الموهبة السياسية والتواصل مع الجماهير والصبر على مكاره العمل السياسي اليومي. وظهرت من بين القيادات السياسية قيادات لم تنل حظاً كبيراً من التعليم, لكنها عوضت هذا الفقد بمواهب سياسية فطرية وبنشاط جماهيري جم خلق منها قيادات سياسية. لما عرف السودان الانقلابات العسكرية لأول مرة في 1958 لم يعد ضرورياً توفر التواصل الجماهيري في الوزير, خاصة بعد تغييب التمثيل النيابي وعدم حاجة السياسي لدائرة نيابية تربطه بالجماهير في منطقة محددة, بل لم يكن ضرورياً توفر المواهب السياسية, فظهر مثال مأمون بحيري الاقتصادي الضليع الذي قدم عصارة علمه وتجربته لحكومة الانقلابيين بلا حاجة لأن يكون سياسياً يخطب في المنابر ويخطط للانتخابات. ولما عادت الديمقراطية في 1964 عاد للواجهة سياسيون هم خليط من متعلمين وغير متعلمين, لكنهم يلتقون في شروط السياسي, ثم وقع انقلاب آخر في مايو اعتبر الديمقراطية مضيعة لوقت البلاد في الصراع الحزبي وفي التلكؤ (الديقراطي). وقدم حسب رؤيته ما يراه نفاذاً مباشراً لمشاريع تنموية يضطلع بها وطنيون بلا حاجة لمواصفات السياسي بالفهم الحزبي. وظهرت بالفعل قيادات وطنية لا تتوافر لديها شروط السياسي بالفهم الذي تحدده الديمقراطية التعددية بما فيها من زخم جماهيري, فلمعت نجوم جديدة أمثال د.جعفر محمد علي بخيت ومنصور خالد وأحمد عبدالحليم, وهكذا يتضح من مثال مأمون بحيري وجعفر بخيت أن شروطاً أساسية للسياسي في الديمقراطية تسقط في النظام الشمولي. لما جاءت الديمقراطية الثالثة رشح الاتحاديون في شرق النيل ابنهم الأستاذ الجامعي د.محمد يوسف أبوحريرة في الدائرة, وفاز بمساندة أهله, وبالديباجة الحزبية التي منحها له الحزب الاتحادي بتاريخه الناصع. وأهلته درجته العلمية لتولي الوزارة, لكنه لم يبد مواهب سياسية, وأدار الوزارة بطريقة جلبت له مشاكل حتى داخل حزبه ليبتعد من الوزارة ويختفي لفترة طويلة يذكره خلالها الناس بين حين وآخر عندما يجترّون ذكريات الديمقراطية الثالثة, فلماذا لم يصعد أبوحريرة على سلم السياسة؟ توفرت لأبوحريرة بجانب التأهيل الأكاديمي صفات أخرى نادرة فهو رجل متجرد, عفيف ونزيه, وهو رجل مضياف قريب إلى أهله, ظل يشرف حتى في إجازاته على معسكرات خدمية يقيمها بالتعاون مع شباب منطقته, لكنه افتقد بين كل هذه المزايا الكثيرة شرطاً ضرورياً لا يكون السياسي إلا به, هو المرونة, كان أبوحريرة حاداً لا يقبل بأنصاف الحلول, فإما أن تنفذ رؤيته كاملة وإما أن يبتعد. كان ذلك حاله في الحكومة وفي الحزب, ولذا غادر الحزب مغاضباً ليترك الساحة لمن هم دونه تأهيلاً لكنهم تفوقوا عليه بالمرونة والصبر على مشاق السياسة ومكايدات السياسيين, ولم يكن أبوحريرة موهوباً من الناحية السياسية, يظهر ذلك جلياً في غفلته عن رؤية الفرصة الذهبية التي أتيحت له بصعود نجمه وسط الجماهير التي اعتبرته نصيرها في معركة مع (مصاصي الدماء) حسب وصف الجماهير التي تميل بعاطفتها مع من يتبنى قضاياها, حتى ولو كانت المعركة غير حقيقية, لكن أبوحريرة انسحب وانزوى, بل لم يكن موهوباً في خطابه السياسي والمعركة على أشدها, فبدلاً من أن يخاطب الجماهير بلغة (عرق الكادحين وتعب الغلابة) التي تستهوي المزاج الشعبي, كان يتحدث للجماهير في الليالي السياسية بلغة (الدولار الحسابي) وغيرها من مفردات قاعة الدرس الباردة. كان أبوحريرة وطنياً من الطراز الأول, لكنه لم يكن سياسياً, هو رجل مثير للجدل, ولا يثير الجدل إلا العظماء, وقد كان أبوحريرة أحد عظماء الحركة الاتحادية, والحركة الوطنية. • ai.hamad@yahoo.com
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...