alsharq

د. موسى آل هجاد الزهراني

عدد المقالات 80

جلسة مع المتنبي

15 فبراير 2017 , 06:53ص

يضع يداً على خدٍّ، يتأمل.. اقتربت منه على تخوّفٍ، وألقيتُ السلام، فلا أدري أردَّ السلام عليّ أم لا؟! فقلت: ما لك يا أبا الطيب؟! فقال: رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ فَصِرْتُ إذا أصابَتْنِي سِهامٌ تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ قلت: فماذا أقول أنا إذن؟! أرى الشيب كالنهار في ليل مفرقك يا أبا الطيب، كأنك عشقت البياض حتى في شعر الرأس! فقال: ضَيفٌ أَلَمَّ بِرَأسي غَيرَ مُحتَشِمِ وَالسَيفُ أَحسَنُ فِعلا مِنهُ بِاللِمَمِ ابعِد بَعِدتَ بَياضًا لا بَياضَ لَهُ لأنتَ أَسوَدُ في عَيني مِنَ الظُلَمِ بِحُبِّ قاتِلَتي وَالشَيبِ تَغذِيَتي هَواي طِفلاً وَشَيبي بالِغَ الحُلُمِ! قلت: لكنك قلت هذا أيام صباك، أما اليوم فلا أظنك تنكره! فقال: وَلَقَدْ بَكَيْتُ على الشَّبابِ وَلمّتي مُسْوَدّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهي رَوْنَقُ حَذَراً عَلَيْهِ قَبلَ يَوْمِ فِراقِهِ حتى لَكِدْتُ بمَاءِ جَفني أشرَقُ! قلت: ونحن مثلك! يا أبا الطيب، قيل لنا إنَّك رغم قسوتك على نفسك وعلى من حولك، إلاّ أنك تلين للعيون! فهل صدق من اتهمك؟ فكاد يبتسم، ثم قال: وأنَا الذي اجتَلَبَ المَنيّةَ طَرْفُهُ فَمَنِ المُطالَبُ والقَتيلُ القاتِلُ؟! قلت: ألا تريد أن تعترف بأنك أسير العيون، وأنها هي التي أنزلتك من عليائك رغم تكبرك وتجبرك، فسكت قليلاً.. ثم نطق بزفرة، فكدتُ أحترق: لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي! عندها تقافز دمعي من عينيّ، فلما رآه أكمل: وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ!! قلتُ: عقمت أرحام الأمهات أن يلدن مثلك يا أبا الطيب! ولأنتَ أحقُّ الناس بقولك: مَضَتِ الدّهُورُ وَمَا أتَينَ بمِثْلِهِ وَلَقَدْ أتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرَائِهِ! فأغضى زهواً! قلت: ذمَّك من عاداك جهلاً حتى أصبح في أُذني وقرٌ من ذمِّهم، وإني لأغارُ عليك أشدَّ من غيرتك على نفسك، فارتاح لكلامي وابتسم، ووضع يده على كتفي، وقال: وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ فَهي الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ! قلت: لكنهم ترتعد فرائصهم إذا رأوك، فقال: أبدو فيَسجُدُ مَنْ بالسّوءِ يذكُرُني فَلا أُعاتِبُهُ صَفْحاً وإهْوَانَا! قلت: يقال إنك لا ترى شيئاً في هذا الزمان يسحق الحمد، عندما ذمَّ الناسُ فراق الأحبة فماذا قلت؟ قال: قلت: مَن خَصّ بالذّمّ الفراقَ فإنّني مَن لا يرَى في الدهر شيئاً يُحمَدُ! قلت: عذرتك لما عرفتُك، وعرفتُ أنّك والفراق إخوة، توأمٌ، ونحن مثلك، قال: أتعني: أمّا الفراقُ فإنّهُ ما أعْهَدُ هُوَ تَوْأمي لوْ أنّ بَيْناً يُولَدُ! يا أبا الطيب! لم أعتب عليك في شيء مثلما عتبتُ عليك في قولك: كُلّما جادَتِ الظّنونُ بوَعْدٍ عَنْكَ جادَتْ يَداكَ بالإنجازِ! قال: ولم العتبُ؟! قلت: هل تعني بقولك هذا أنك كلما فكرتَ في ممدوحِك هذا مجرد تفكيرٍ جاءتك عطاياه حقيقة؟! قال: نعم! قلت: لو عشتَ في زماننا هذا لما قلتَ هذا البيتَ؛ لأنك لن تجدَ أحداً يستحقه!. قلت: أسألك بالله، هل مرَّ بسمعك أعظم من شعرك؟! فرفع رأسه عالياً كأنه يخاطب السماء: ما نالَ أهْلُ الجاهِلِيّةِ كُلُّهُمْ شِعْرِي، ولا سمعتْ بسحري بابِلُ! قلت: صدقت والله!. قلت له: أما قولك في كافور... فقاطعني وقال: دعك من كافور!

ألفُ نابٍ!

قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...

ماذا تعني؟!

عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...

محمد بن ظافر.. الطبيب الشاعر

قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...

نفحاتٌ أندلسية

الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...

سيوف الألحاظ

عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...

من عجائب دنيا الناس

أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...

فلسفة الجود

قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...

بكاؤهم!

لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...

بنات الدهر!

أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...

أعذب الشعر.. من ليبيا

شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...

شقائق النعمان!

سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...

الثقلاء!

عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...