alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 51

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 نوفمبر 2026
إيران بين منطق الدولة وعقلية المواجهة
رأي العرب 03 نوفمبر 2026
«أنتم ذخر الوطن»

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

21 سبتمبر 2026 , 12:30ص

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري، هي الخلفية الأهم لانعقاد النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي، بالتعاون مع بلومبرغ، في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
المنتدى لا ينتقل إلى نيويورك بحثًا عن موقع جديد بقدر ما ينتقل إلى قلب اللحظة السياسية والاقتصادية الدولية. وفي أسبوع تجتمع فيه الحكومات لمناقشة الحروب والأمن ومستقبل النظام الدولي، يأتي المنتدى ليطرح السؤال الموازي: ماذا تفعل كل هذه الاضطرابات بالاقتصاد؟ وكيف يمكن الحديث عن الاستثمار والنمو والتجارة والطاقة في عالم تتسع فيه رقعة المخاطر السياسية والعسكرية؟
لهذا يبدو عنوان النسخة الخاصة، (النمو بشروط جديدة: رأس المال، المخاطر والمرونة)، أقرب إلى توصيف للمرحلة منه إلى مجرد شعار لمنتدى اقتصادي. فالسؤال لم يعد فقط: أين توجد فرص النمو؟ بل: تحت أي شروط يمكن تحقيق هذا النمو؟ وكم تبلغ كلفته السياسية والأمنية؟ وكيف يمكن حماية الاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد من عالم بات أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ؟

الحروب في الشرق الأوسط 
لعل معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، 
وضع في كلمته أمام المنتدى الإطار الأكثر وضوحًا لفهم هذه اللحظة عندما قال إن المنطقة شهدت ما لا يمكن وصفه إلا بـ«الزلزال»، وإن موجاته الارتدادية امتدت إلى ما هو أبعد من حدودها.
والمقصود هنا ليس توصيف حجم الصراع وحده، بل التأكيد أن الحرب الحديثة لا تتوقف آثارها عند الجغرافيا التي تقع فيها. فالصدمة الأمنية تتحول سريعًا إلى صدمة اقتصادية؛ والاضطراب العسكري ينتقل إلى أسواق الطاقة؛ والخطر الذي يهدد ممرًا بحريًا يتحول إلى ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين؛ وعدم اليقين السياسي ينتقل إلى حسابات المستثمرين والبنوك والشركات.
ولهذا كانت ملاحظة معاليه لافتة عندما قال إن كل المحادثات خلال الأزمة كانت تبدأ بالأمن ثم تنتقل إلى إمدادات الطاقة والشحن. هذه الجملة ربما تختصر فلسفة المنتدى بأكمله.
فالأمن والطاقة والشحن والاستثمار لم تعد ملفات منفصلة. وإذا اهتز أحدها انتقلت الصدمة إلى البقية. مضيق هرمز، على سبيل المثال، ليس مجرد ممر جغرافي؛ إنه شريان للطاقة العالمية. والبحر الأحمر ليس مجرد مساحة للصراع الإقليمي؛ إنه طريق للتجارة الدولية. وأمن الخليج لم يعد مسألة تخص دوله وحدها، بل أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي.
الدبلوماسية ليست ترفًا سياسيًا
الدبلوماسية عادة ما تقاس بنتائج سياسية: اتفاق، هدنة، وساطة أو تسوية. لكن النظر إليها من زاوية الاقتصاد يكشف وظيفة أخرى لا تقل أهمية. عندما تنجح الدبلوماسية في منع حرب أو احتواء تصعيد، فهي لا تحمي الحدود فقط؛ بل تحمي الموانئ والمطارات وسلاسل التوريد وعقود الطاقة والاستثمارات وخطط الشركات.
أي أنها تحمي إمكانية التخطيط للمستقبل. وهذا تحديدًا ما يحتاج إليه رأس المال. فالاستثمار يستطيع التعامل مع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعامل مع بيئة لا يستطيع فيها حساب المخاطر أصلًا.
من هنا يمكن فهم تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية أن (لا يمكن بناء أمن دائم من خلال دورات متكررة من التصعيد والرد، وأن الأمن لا يمكن أن يقوم على ترتيبات تترك دولة ما في حالة دائمة من انعدام الأمن. فالاستقرار المستدام لا يمكن أن ينتج عن إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، وإنما عن بناء ترتيبات تقلل دوافع إنتاج الأزمة نفسها.
الوساطة تساعد على إنتاج الاستقرار، والطاقة تمنح قطر ودول الخليج موقعًا حيويًا في الاقتصاد العالمي، والاستثمار يبني شبكات طويلة المدى من المصالح والشراكات. لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الإنتاج، وإنما أيضًا بالقدرة على تحويل الموارد إلى علاقات، والعلاقات إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على المساهمة في الاستقرار.

الخليج ومستقبل الاقتصاد العالمي
لمرحلة طويل جرى اختزال المنطقة اقتصاديًا في النفط والغاز. أما اليوم فالصورة أكثر تعقيدًا. دول الخليج أصبحت مصدرًا للطاقة ورأس المال في الوقت نفسه، ومراكز متنامية للخدمات المالية واللوجستية، ومستثمرًا رئيسيًا في التكنولوجيا والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والأسواق الدولية.
ولذلك فإن النقاش حول مستقبل الاقتصاد العالمي لم يعد مكتملًا من دون الخليج. فالمنطقة تقع جغرافيًا بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتملك بعض أهم احتياطيات الطاقة في العالم، وصناديق سيادية ضخمة، وشبكات طيران وموانئ وبنية تحتية حديثة، وتتحرك بقوة نحو قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
إنها تحاول الانتقال من موقع المورد إلى موقع الشريك. الطاقة تعود إلى قلب السياسة فخلال السنوات الماضية، طغى الحديث عن الانتقال إلى الطاقة النظيفة، لكن الأزمات الأخيرة أعادت مفهوم أمن الطاقة بقوة إلى قلب النقاش الدولي.
لم يعد السؤال فقط: كيف ينتقل العالم بعيدًا عن الوقود الأحفوري؟ بل أصبح: كيف يحقق هذا الانتقال دون تعريض الاقتصادات لصدمات في الإمدادات والأسعار؟ الموارد النفطية والغاز الطبيعي المسال وشبكات التصدير والعقود طويلة الأجل والاستثمارات الضخمة في زيادة الإنتاج لم تعد مجرد مشاريع تجارية؛ بل أصبحت جزءًا من هندسة أمن الطاقة العالمي. ولهذا فإن وصف دول الخليج لنفسها بأنها مورد موثوق للطاقة» يحمل معنى يتجاوز القدرة على التصدير. فالموثوقية أصبحت في عالم مضطرب أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بحد ذاتها. كما ان صناديق الثروة السيادية أصبحت أكثر نشاطًا، والأسواق تتنافس على الاستثمارات، بينما أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية مجالات تتقاطع فيها العوائد الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية. وهذا يضع الصناديق الخليجية في موقع جديد. فهي لم تعد مجرد محافظ مالية تبحث عن العائد، بل أدوات لبناء شراكات طويلة الأجل، ونقل التكنولوجيا، وتنويع الاقتصادات الوطنية، وربط الخليج بمراكز الاقتصاد العالمي الجديدة. حتى الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن الجغرافيا السياسية التقليدية، أصبح جزءًا من هذه المعادلة. فالثورة الرقمية تحتاج إلى واقع مادي هائل: مراكز بيانات، وكهرباء، ورقائق إلكترونية، وشبكات اتصال، واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات. وهذا يفتح أمام دول الخليج فرصة غير مسبوقة. فهي تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على بناء البنية التحتية، وتسعى إلى تطوير شراكات تكنولوجية مع الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا. ولذلك فإن معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة لن تكون فقط على الخوارزميات، وإنما أيضًا على الطاقة التي تشغلها، والرقائق التي تحملها، ومراكز البيانات التي تستضيفها، ورأس المال الذي يمولها.
 
 من إدارة الوفرة إلى إدارة المخاطر
إن الدرس الأهم بالنسبة إلى قطر والخليج ربما يكمن في مكان آخر. لقد كانت العقود الماضية، بدرجات مختلفة، مرحلة لإدارة الوفرة التي صنعتها الطاقة. أما المرحلة الجديدة فتحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: إدارة المخاطر. ليس المطلوب فقط تحقيق عوائد مالية، بل حماية الاقتصاد من الصدمات؛ وليس فقط جذب الاستثمار، بل توفير البيئة التي تجعله يبقى عندما تضطرب المنطقة؛ وليس فقط تصدير الطاقة، بل تحويل موقع الطاقة إلى شبكة مصالح طويلة الأجل؛ وليس فقط شراء التكنولوجيا، بل امتلاك جزء من المعرفة والبنية التحتية التي تنتجها. وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد مرة أخرى. فالرسالة التي خرجت من منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك تبدو واضحة: لا اقتصاد مزدهرًا في إقليم يعيش على حافة الحرب، ولا استثمار طويل الأجل في بيئة يحكمها عدم اليقين، ولا أمن مستدامًا إذا كان أمن دولة يُبنى على انعدام أمن دولة أخرى.
ولهذا فإن تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية عن الوساطة والطاقة والاستثمار ليس ثلاثة ملفات متجاورة، بل تعبير عن رؤية واحدة: الدبلوماسية تنتج الاستقرار، والاستقرار يحمي الاقتصاد، والاقتصاد يمنح السلام مصلحة حقيقية.

إيران بين منطق الدولة وعقلية المواجهة

من أبرز المفارقات في الأزمة الإقليمية الراهنة أن الدولة التي تبذل جهودًا استثنائية لمعالجة الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، تجد نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها وأمنها في مواجهة الطرف الذي تسعى إلى تجنيبه...

الجزيرة بعد ثلاثين عاماً: صعود الوعي في زمن الانكسار العربي

لم تكن مأساة العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه خسر معارك سياسية وعسكرية فحسب، بل إنه كاد يخسر حقه في رواية ما حدث له. كانت الحروب تدور على أرضه، والقرارات تُتخذ بشأن مستقبله، بينما...

الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..

لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...