alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 38

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 20 سبتمبر 2026
مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

21 سبتمبر 2026 , 12:30ص

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري، هي الخلفية الأهم لانعقاد النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي، بالتعاون مع بلومبرغ، في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
المنتدى لا ينتقل إلى نيويورك بحثًا عن موقع جديد بقدر ما ينتقل إلى قلب اللحظة السياسية والاقتصادية الدولية. وفي أسبوع تجتمع فيه الحكومات لمناقشة الحروب والأمن ومستقبل النظام الدولي، يأتي المنتدى ليطرح السؤال الموازي: ماذا تفعل كل هذه الاضطرابات بالاقتصاد؟ وكيف يمكن الحديث عن الاستثمار والنمو والتجارة والطاقة في عالم تتسع فيه رقعة المخاطر السياسية والعسكرية؟
لهذا يبدو عنوان النسخة الخاصة، (النمو بشروط جديدة: رأس المال، المخاطر والمرونة)، أقرب إلى توصيف للمرحلة منه إلى مجرد شعار لمنتدى اقتصادي. فالسؤال لم يعد فقط: أين توجد فرص النمو؟ بل: تحت أي شروط يمكن تحقيق هذا النمو؟ وكم تبلغ كلفته السياسية والأمنية؟ وكيف يمكن حماية الاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد من عالم بات أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ؟

الحروب في الشرق الأوسط 
لعل معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، 
وضع في كلمته أمام المنتدى الإطار الأكثر وضوحًا لفهم هذه اللحظة عندما قال إن المنطقة شهدت ما لا يمكن وصفه إلا بـ«الزلزال»، وإن موجاته الارتدادية امتدت إلى ما هو أبعد من حدودها.
والمقصود هنا ليس توصيف حجم الصراع وحده، بل التأكيد أن الحرب الحديثة لا تتوقف آثارها عند الجغرافيا التي تقع فيها. فالصدمة الأمنية تتحول سريعًا إلى صدمة اقتصادية؛ والاضطراب العسكري ينتقل إلى أسواق الطاقة؛ والخطر الذي يهدد ممرًا بحريًا يتحول إلى ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين؛ وعدم اليقين السياسي ينتقل إلى حسابات المستثمرين والبنوك والشركات.
ولهذا كانت ملاحظة معاليه لافتة عندما قال إن كل المحادثات خلال الأزمة كانت تبدأ بالأمن ثم تنتقل إلى إمدادات الطاقة والشحن. هذه الجملة ربما تختصر فلسفة المنتدى بأكمله.
فالأمن والطاقة والشحن والاستثمار لم تعد ملفات منفصلة. وإذا اهتز أحدها انتقلت الصدمة إلى البقية. مضيق هرمز، على سبيل المثال، ليس مجرد ممر جغرافي؛ إنه شريان للطاقة العالمية. والبحر الأحمر ليس مجرد مساحة للصراع الإقليمي؛ إنه طريق للتجارة الدولية. وأمن الخليج لم يعد مسألة تخص دوله وحدها، بل أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي.
الدبلوماسية ليست ترفًا سياسيًا
الدبلوماسية عادة ما تقاس بنتائج سياسية: اتفاق، هدنة، وساطة أو تسوية. لكن النظر إليها من زاوية الاقتصاد يكشف وظيفة أخرى لا تقل أهمية. عندما تنجح الدبلوماسية في منع حرب أو احتواء تصعيد، فهي لا تحمي الحدود فقط؛ بل تحمي الموانئ والمطارات وسلاسل التوريد وعقود الطاقة والاستثمارات وخطط الشركات.
أي أنها تحمي إمكانية التخطيط للمستقبل. وهذا تحديدًا ما يحتاج إليه رأس المال. فالاستثمار يستطيع التعامل مع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعامل مع بيئة لا يستطيع فيها حساب المخاطر أصلًا.
من هنا يمكن فهم تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية أن (لا يمكن بناء أمن دائم من خلال دورات متكررة من التصعيد والرد، وأن الأمن لا يمكن أن يقوم على ترتيبات تترك دولة ما في حالة دائمة من انعدام الأمن. فالاستقرار المستدام لا يمكن أن ينتج عن إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، وإنما عن بناء ترتيبات تقلل دوافع إنتاج الأزمة نفسها.
الوساطة تساعد على إنتاج الاستقرار، والطاقة تمنح قطر ودول الخليج موقعًا حيويًا في الاقتصاد العالمي، والاستثمار يبني شبكات طويلة المدى من المصالح والشراكات. لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الإنتاج، وإنما أيضًا بالقدرة على تحويل الموارد إلى علاقات، والعلاقات إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على المساهمة في الاستقرار.

الخليج ومستقبل الاقتصاد العالمي
لمرحلة طويل جرى اختزال المنطقة اقتصاديًا في النفط والغاز. أما اليوم فالصورة أكثر تعقيدًا. دول الخليج أصبحت مصدرًا للطاقة ورأس المال في الوقت نفسه، ومراكز متنامية للخدمات المالية واللوجستية، ومستثمرًا رئيسيًا في التكنولوجيا والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والأسواق الدولية.
ولذلك فإن النقاش حول مستقبل الاقتصاد العالمي لم يعد مكتملًا من دون الخليج. فالمنطقة تقع جغرافيًا بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتملك بعض أهم احتياطيات الطاقة في العالم، وصناديق سيادية ضخمة، وشبكات طيران وموانئ وبنية تحتية حديثة، وتتحرك بقوة نحو قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
إنها تحاول الانتقال من موقع المورد إلى موقع الشريك. الطاقة تعود إلى قلب السياسة فخلال السنوات الماضية، طغى الحديث عن الانتقال إلى الطاقة النظيفة، لكن الأزمات الأخيرة أعادت مفهوم أمن الطاقة بقوة إلى قلب النقاش الدولي.
لم يعد السؤال فقط: كيف ينتقل العالم بعيدًا عن الوقود الأحفوري؟ بل أصبح: كيف يحقق هذا الانتقال دون تعريض الاقتصادات لصدمات في الإمدادات والأسعار؟ الموارد النفطية والغاز الطبيعي المسال وشبكات التصدير والعقود طويلة الأجل والاستثمارات الضخمة في زيادة الإنتاج لم تعد مجرد مشاريع تجارية؛ بل أصبحت جزءًا من هندسة أمن الطاقة العالمي. ولهذا فإن وصف دول الخليج لنفسها بأنها مورد موثوق للطاقة» يحمل معنى يتجاوز القدرة على التصدير. فالموثوقية أصبحت في عالم مضطرب أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بحد ذاتها. كما ان صناديق الثروة السيادية أصبحت أكثر نشاطًا، والأسواق تتنافس على الاستثمارات، بينما أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية مجالات تتقاطع فيها العوائد الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية. وهذا يضع الصناديق الخليجية في موقع جديد. فهي لم تعد مجرد محافظ مالية تبحث عن العائد، بل أدوات لبناء شراكات طويلة الأجل، ونقل التكنولوجيا، وتنويع الاقتصادات الوطنية، وربط الخليج بمراكز الاقتصاد العالمي الجديدة. حتى الذكاء الاصطناعي، الذي يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن الجغرافيا السياسية التقليدية، أصبح جزءًا من هذه المعادلة. فالثورة الرقمية تحتاج إلى واقع مادي هائل: مراكز بيانات، وكهرباء، ورقائق إلكترونية، وشبكات اتصال، واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات. وهذا يفتح أمام دول الخليج فرصة غير مسبوقة. فهي تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على بناء البنية التحتية، وتسعى إلى تطوير شراكات تكنولوجية مع الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا. ولذلك فإن معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة لن تكون فقط على الخوارزميات، وإنما أيضًا على الطاقة التي تشغلها، والرقائق التي تحملها، ومراكز البيانات التي تستضيفها، ورأس المال الذي يمولها.
 
 من إدارة الوفرة إلى إدارة المخاطر
إن الدرس الأهم بالنسبة إلى قطر والخليج ربما يكمن في مكان آخر. لقد كانت العقود الماضية، بدرجات مختلفة، مرحلة لإدارة الوفرة التي صنعتها الطاقة. أما المرحلة الجديدة فتحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: إدارة المخاطر. ليس المطلوب فقط تحقيق عوائد مالية، بل حماية الاقتصاد من الصدمات؛ وليس فقط جذب الاستثمار، بل توفير البيئة التي تجعله يبقى عندما تضطرب المنطقة؛ وليس فقط تصدير الطاقة، بل تحويل موقع الطاقة إلى شبكة مصالح طويلة الأجل؛ وليس فقط شراء التكنولوجيا، بل امتلاك جزء من المعرفة والبنية التحتية التي تنتجها. وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد مرة أخرى. فالرسالة التي خرجت من منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك تبدو واضحة: لا اقتصاد مزدهرًا في إقليم يعيش على حافة الحرب، ولا استثمار طويل الأجل في بيئة يحكمها عدم اليقين، ولا أمن مستدامًا إذا كان أمن دولة يُبنى على انعدام أمن دولة أخرى.
ولهذا فإن تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية عن الوساطة والطاقة والاستثمار ليس ثلاثة ملفات متجاورة، بل تعبير عن رؤية واحدة: الدبلوماسية تنتج الاستقرار، والاستقرار يحمي الاقتصاد، والاقتصاد يمنح السلام مصلحة حقيقية.

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...