alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 37

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 16 سبتمبر 2026
تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين
إبراهيم عبد الله المحمدي - مؤلف وتربوي 17 سبتمبر 2026
من تراث العلماء إلى التربية الحديثة تعليم بلا قسوة

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

20 سبتمبر 2026 , 12:30ص

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه؟ 
لم يعد هذا السؤال نظريًا أو قابلًا للتأجيل، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على المؤسسات الصحفية في كل مكان، ويضعها أمام خيار واضح: إما إعادة تعريف دورها ووظيفتها بما ينسجم مع العصر الجديد، أو البقاء أسيرة نموذج يتآكل تدريجيًا مهما كان عريقًا ومؤثرًا في الماضي، ومهما نافح البعض للدفاع عنه بحجج مختلفة ومحاولات لتبرير استمراره، فإن حركة التاريخ والتكنولوجيا لا تتوقف عند الحنين إلى النماذج القديمة، ولا تنتظر من يتردد في التغيير.
هذا الحديث موجه إلى الإخوة والزملاء في الصحف المحلية، وفي مقدمتها جريدة «العرب»، هذه المؤسسة التي أعتز بالانتماء إلى فضائها الصحفي والفكري، وأتشرف بلقاء قرائها أسبوعيًا عبر صفحاتها. وما أطرحه هنا لا يصدر عن مراقب يقف خارج التجربة، بل عن كاتب عايش العمل والكتابة في مختلف المؤسسات الصحفية المحلية، ويحمل لها الكثير من التقدير والوفاء لذاكرتها ورسالتها ومكانتها في الوجدان القطري. 
ومن هذا الشعور تحديدًا تنطلق الدعوة إلى فتح فصل جديد يليق بتاريخ هذه المؤسسات؛ لأن الوفاء الحقيقي لها لا يكون بالاكتفاء بالاحتفاء بما أنجزته في الماضي، بل بالمساهمة في تمكينها من صناعة مستقبلها، فالمؤسسات العريقة لا تُصان بعزلها عن التغيير، وإنما بقدرتها على استيعابه وقيادته والتحول معه قبل أن يفرض نفسه عليها.
إن التحدي الحقيقي أمام الصحف المحلية، وفي مقدّمتها «العرب»، والصحف الخليجية والعربية عمومًا، لم يعد متمثلًا في سؤالٍ دفاعي من نوع: هل يمكن الاستمرار من دون ورق؟ بل في سؤالٍ أعمق وأكثر طموحًا: كيف نبني صحيفةً رقمية أوسع حضورًا وأقوى تأثيرًا وأكثر استدامة مما كانت عليه الصحيفة الورقية في أزهى عصورها؟
الفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل هو إستراتيجي، السؤال الأول يفترض أنّ الرقمنة خسارةٌ يجب احتواؤها، والثاني يفترض أنها فرصةٌ يجب استثمارها. والمؤسسات التي طرحت السؤال الأول ظلّت تدير انحدارًا بطيئًا، أما التي طرحت الثاني فأعادت اختراع نفسها.

القارئ لم يعد ينتظر الصباح
القارئ اليوم لا ينتظر صحيفة الصباح ليعرف ما حدث بالأمس الخبر يصله في اللحظة نفسها، عبر هاتفٍ في جيبه لا يتوقف عن التنبيه. الفيديو ينافس النص، والبودكاست ينافس المقال، والمنصّات الاجتماعية صارت بوابات رئيسية للوصول إلى الجمهور بدل أن تكون قنوات ثانوية للترويج.
وفي الوقت ذاته، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل غرف الأخبار من الداخل: في الترجمة، والتحرير الأولي، والتفريغ الصوتي، وتلخيص الوثائق، وتخصيص المحتوى لكل قارئ. وأصبح تحليل البيانات جزءًا أصيلًا من صناعة القرار التحريري، بحيث تعرف المؤسسة ما يقرأه جمهورها فعلًا، ومتى يتوقف عن القراءة، وأي الموضوعات تدفعه إلى الاشتراك. أما نماذج الإعلان والاشتراك والوصول إلى المحتوى، فتتغيّر بسرعةٍ غير مسبوقة، وتضع كل مؤسسة أمام اختبار مرونة حقيقي.
في خضمّ النقاش الدائر حول مستقبل الصحافة الورقية وإمكان التوقّف عن طباعتها، تبدو بعض التجارب الدولية جديرة بالتأمل لا بالنقل الحرفي.
في بريطانيا، أعلنت صحيفة «The Independent» عام 2016 انتقالها إلى نموذج رقمي بالكامل، في قرارٍ اعتُبر حينها مجازفة. وبعد خمس سنوات، كانت الصحيفة تتحدث عن جمهورٍ رقمي شهري يتجاوز مئة مليون قارئ عالميًا، أي أضعاف ما كان يمكن لأي طبعة ورقية أن تبلغه. والدلالة هنا واضحة: نهاية الطبعة الورقية لم تكن نهاية المؤسسة، بل بداية مرحلة مختلفة من توسّعها وانتشارها عبر الحدود.
ولعلّ التجربة السعودية تقدّم مثالًا أقرب إلى بيئتنا الإعلامية والثقافية. فقد سبقت صحيفة «الاقتصادية» إلى إنهاء نسختها الورقية والانتقال الكامل إلى النشر الرقمي، ثم لحقت بها «الرياضية». ومؤخرًا، أغلقت صحيفة «الرياض» مطابعها في أغسطس 2026 بعد أكثر من ستة عقود من الإصدار الورقي، وانتقلت مع مجلة «اليمامة» إلى الفضاء الرقمي الكامل.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تفكّك واحدًا من أكثر المخاوف رسوخًا في نقاشنا المهني: الاعتقاد بأنّ توقّف الطباعة يعني بداية اندثار الصحيفة أو انحسار تأثيرها. والواقع أنّ العكس ممكن تمامًا؛ فحين تتحرّر المؤسسة من كلفة نموذجٍ تقليدي متراجع — من الورق والحبر إلى النقل والتوزيع والمرتجعات وتعيد توجيه مواردها نحو المحتوى الرقمي والتقنيات الجديدة والوصول الأسرع إلى الجمهور، فإنها لا تغادر الصحافة، بل تعيد تعريفها بأدوات عصرها.
وهنا تتّضح المسألة بصورة أدقّ: الخوف الحقيقي ليس من توقّف الطباعة، بل من بقاء المؤسسة أسيرةً لها بينما ينتقل جمهورها والسوق الإعلامية إلى مكانٍ آخر. الخطر لا يأتي من قرار جسور يُتخذ في وقته، بل من قرارٍ صحيح يُؤخّر حتى يفقد جدواه.
فالورق قد يتوقف، أما الصحيفة القادرة على التجدّد فلا تتوقف؛ بل قد تبدأ عند تلك اللحظة تحديدًا مرحلةً أوسع أثرًا وأبعد انتشارًا. والاسم الذي بُني عبر عقود من المصداقية هو الأصل الأغلى الذي تملكه أي مؤسسة صحفية، وهو أصلٌ لا يسكن الورق، بل يسكن ثقة القارئ أيًّا كانت الوسيلة التي تحمله إليه.

التحول إلى مؤسسة رقمية
ما تحتاجه المؤسسات الصحفية اليوم ليس مجرد تحديث أدواتها، بل إعادة تعريف نفسها من الأساس؛ فلا تعود «صحيفة لها موقع إلكتروني»، بل تتحول إلى «مؤسسة إعلامية رقمية تحمل علامة صحفية عريقة». 
والفرق بين النموذجين هائل، لأن الثاني يفرض تحولًا بنيويًا لا تجميليًا، يبدأ بإعادة هيكلة غرفة الأخبار بحيث تصبح المنصة الرقمية مركز العمل لا ملحقًا بالنسخة الورقية، وتغيير دورة إنتاج المحتوى من إيقاع الطبعة اليومية إلى التدفق المستمر على مدار الساعة، والاستثمار بجدية في الصحافة المرئية والمسموعة، من الفيديو القصير إلى الوثائقي والبودكاست، إلى جانب إنشاء وحدات متخصصة في البيانات والرسوم التفاعلية والتحقق الرقمي. 
كما يتطلب هذا التحول بناء حضور مختلف لكل منصة اجتماعية وفق طبيعتها وجمهورها، بدل إعادة تدوير المحتوى نفسه في كل مكان، وتطوير علاقة مباشرة ومستدامة مع القراء عبر النشرات البريدية والاشتراكات والعضويات والخدمات المتخصصة. والأهم من ذلك كله، تأهيل الكوادر الصحفية لأدوار جديدة تجمع بين جوهر المهنية الصحفية التقليدية ومهارات العصر الرقمي؛ لأن التحول الحقيقي لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل يصنعه صحفي يعرف كيف يستخدمها لإنتاج صحافة أكثر سرعة وعمقًا وتأثيرًا..
إنّ الجمع بين الورقي والرقمي ليس دائمًا حلًّا وسطًا مريحًا كما يبدو من الخارج. ففي كثير من المؤسسات يتحوّل إلى ازدواجيةٍ تستنزف الموارد وتُربك القرار: فريقٌ يفكّر بعقلية الطبعة، وآخر يحاول بناء المستقبل الرقمي؛ ومواعيد إغلاق تحريرية تنتمي إلى عصر الصحيفة اليومية، في مقابل جمهورٍ يعيش في تدفّقٍ إخباري على مدار الساعة؛ واستثماراتٌ تتّجه إلى الطباعة والتوزيع، بينما تحتاج المنصّة الرقمية إلى التكنولوجيا والبيانات والفيديو والتصميم والتسويق والتطوير المستمر.

المشهد الإعلامي الجديد 
مع اتساع الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع الصحيفة داخل المشهد الإعلامي الجديد، ومع ما تشهده قطر من تحوّل متسارع في صناعة المحتوى والاتصال والمنصات الرقمية، فإن السؤال الذي يستحق أن يوضع اليوم على الطاولة ليس ما إذا كانت الصحف المحلية، قادرة على الاستغناء عن طبعتها الورقية، بل ما إذا كانت قادرة على أن تسبق الآخرين مرة أخرى، وأن تعيد تعريف نفسها بوصفها مؤسسة إعلامية رقمية قطرية عريقة، تنافس خليجيا وإقليميًا بحضورها ومحتواها ومنصاتها وتأثيرها، لا بمجرد استدعاء تاريخها القديم.
فالريادة لا تعني أن تكون أول من أصدر صحيفة ورقية، ولا آخر من يتمسك بها، وإنما أن تمتلك الشجاعة على إدراك اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على التاريخ مرهونًا بالقدرة على مغادرة بعض أدواته القديمة. والمؤسسات الكبرى لا تخون رسالتها حين تغير الوسيلة، بل تحميها؛ لأن الوفاء الحقيقي ليس للشكل الذي اعتدناه، وإنما للدور الذي قامت من أجله المؤسسة وللقدرة على مواصلة هذا الدور في زمن جديد.

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...