


عدد المقالات 369
أجازت الجمعية التاسيسية في منتصف نوفمبر 1965 إقتراحاً بحل الحزب الشيوعي السوداني، بعد أن أجازت تعديلات دستورية على مواد تضمن الحريات العامة، فتحمي الحزب من الحل. وأضفت الجمعية بذلك شكلية دستورية على قرارها المخالف للمبادئ الديمقراطية. كانت الفترة من مطلع الاستقلال إلى نوفمبر 58 ديمقراطية مكتملة الأركان، فقد كان دستور 1956 على بساطته ضامناً للحريات العامة وكافلاً للحقوق الأساسية، الشئ الذي مكن من ارساء نظام تعددي بحكومة منتخبة ومعارضة مشروعة بنص الدستور. وترأس الدولة في تلك الفترة مجلس رئاسي خماسي بسلطات رئاسية رمزية كما في كل الأنظمة البرلمانية. بعد إنتخابات 65 التي أعقبت ثورة أكتوبر 64، لم يحصل أي من الأحزاب على أغلبية تمكنه من الحكم منفرداً، فكان لزاماً على حزب الأمة الحاصل على الأكثرية أن يبحث عن إئتلاف مع الحزب الوطني الاتحادي. اشترط الأخير أن ينال رئاسة مجلس السيادة على أن يعدل الدستور بحيث تصبح رئاسة المجلس دائمة بدلاً عن رئاسة دورية بين أعضاء المجلس الخمسة. وكان للوطني الاتحادي ما أراد، بل انتزع الأزهري لرئاسة المجلس الدائمة سلطات حتى نازع بشخصيته القوية رئيس الوزراء في الحكم، ولم يعد سهلاً تصنيف الجمهورية السودانية إن كانت برلمانية أم رئاسية. كان تعديل الدستور بما يوائم مكانة اسماعيل الأزهري، بداية للعب بالدستور الذي يفترض أن يكون وثيقة راسخة، توائم القوى السياسية خططها وبرامجها وفق نصوصه، لا أن يصبح الدستور وثيقة مهينة يسهل تعديل نصوصه وفق أهواء الساسة وتقلب مصالحهم. لم يخرق التعديل الأول الديمقراطية في مقتل، لكنه فتح الباب لاحتمالات تعديلات خطيرة، وقد كان، حين مست تعديلات لاحقة مبادئ ديمقراطية أساسية، فأمكن بذلك التغول بالأغلبية الميكانيكية على حق الحزب الشيوعي المكفول بحق التنظيم وحق التعبير، الحقوق التي يتضمنها أى دستور ديمقراطي في باب الحريات العامة، فيما بعد أصدرت المحكمة العليا قرارا ببطلان حل الحزب، لكن الحكومة لم تخضع لقرار القضاء فأصيب مرتكز ديمقراطي آخر بهزة خطيرة، وهو ما دفع رئيس القضاء بابكر عوض الله للاستقالة احتجاجاً. هذا ما كان في شأن الحزب الشيوعي من الناحية القانونية، لكن الحزب ظل فاعلاً من الناحية السياسية، ذلك لأن النظام الديمقراطي كمنظومة متكاملة لا يسمح عملياً بنفاذ قرار غير ديمقراطي، ويتيح للمتضرر مخارج عديدة تمكنه من الالتفاف حول القرار المجحف ؛ فالديمقراطية ترهق بطبيعتها أصحاب القرار المناقض للديمقراطية، حيث يستحيل على أهل الحكم بعد اصدار قرارهم بحل الحزب الشيوعي أن يلاحقوا اي اجتماع قد يعقده الحزب تحت مظلة لقاء اجتماعي، أو كتم مخاطبة حزبية تتم في إطار غير حزبي، وغير ذلك من الحيل.. كما أن ملاحقة الشيوعيين بعد حل حزبهم تحرج الحزبيين الذين يباهون بمقاومة دكتاتورية نوفمبر الدكتاتوري، وإسقاطه بثورة أكتوبر من أجل إقامة نظام ديمقراطي بديل.. بهذا استطاع الحزب الشيوعي أن يخلق لنفسه وجوداً سياسياً فاعلاً رغم عدم شرعيته المعلنة. وبهذا ترشح القيادي الشيوعي أحمد سليمان باسم الحزب المحلول في الدائرة التي خلت بوفاة النائب الاتحادي محمد أحمد المرضي، بل وفاز بالدائرة ليدخل جمعية طرد منها رفاقه. وبلغت الدراما السياسية قمتها عندما تمكن سكرتير الحزب الشيوعي من الفوز بدائرة في امدرمان عام 1968 وظل نائباً في الجمعية التأسيسية حتى 25 مايو 1969 عندما أطاح انقلاب عسكري بالنظام الديمقراطي كله، بطبيعة الإنقلاب لم تجد الأحزاب المحظورة فرصة للتحرك والالتفاف، ولم يجد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم المنتخب فرصة للالتفاف حول قرار حله، ولم يجد دكتور عبد الله الطيب فرصة لاستئناف قرار فصله من الجامعة، ولم يجد الاتحاديون فرصة لتمجيد الأزهري يوم وفاته. ولم يكن بين النظام والأنصار احتمال غير المواجهة. ولأنها قاعدة لا يستثنى منها أحد، وقعت المواجهة الدامية بين الشيوعي ونظام لا تسمح طبيعته بغير المواجهة. وبينما كان أقصى ما يمكن فعله في النظام الديمقراطي هو حل الحزب وطرد نوابه من الجمعية، لا تفضلاً من الحاكمين، لكن بحكم طبيعة النظام كما أسلفنا، كان الصراع مع مايو في مساحة ضيقة لا تحتمل اثنين، كلاهما إما قاتل أو مقتول. وهكذا لقى قادة الحزب الشيوعي مصيراً دمويا ما كان للرجعية ــ بمعايير الشيوعيين ــ أن تفعل نذرا يسيراً منه.. وبينما كان أقصى ما يفعله أعداء الشيوعية والإلحاد هو الهجوم بالعصي على دار الحزب، لم يتحرج النظام التقدمي الأحادي من إعدام سكرتير الحزب الشيوعي، فسيق عبد الخالق محجوب إلى المشنقة وأصداء نشيد الثورة تملأ الأفق: أنت يا مايو الخلاص يا احتفالا للقصاص من عدو الشعب في كل مكان من عدو الشعب في كل زمان ليصبح عبد الخالق في زمن الثورة التقدمية أعدى أعداء الشعب. • aim.hamad@yahoo.com
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...