


عدد المقالات 369
يثور في السودان هذه الأيام جدل سياسي حول المصفوفة المسماة (الفجر الجديد)، وهي إعلان مبادئ بين قوى الإجماع الوطني التي تضم الأحزاب السياسية المعارضة والجبهة الثورية التي تضم التنظيمات الحاملة للسلاح. ولا تثير الجدل مبادئ حول التحول الديمقراطي ودولة المواطنة وفصل الدين عن السياسة وغير ذلك من أهداف ظلت المعارضة تنادي بها من غير أن تثير الغبار الذي صحب طلوع (الفجر الجديد). لكن نبع الجدال من التساؤل الذي طرحه الإعلام الحكومي حول كيفية المواءمة بين أداة التغيير السلمي التي تدعيها أحزاب الإجماع وبين العمل العسكري الذي تتبناه الجبهة الثورية. وهو استفهام تقريري يقصد التشكيك في مزاعم ودعاوى الأحزاب. وذهبت السلطات إلى أبعد من ذلك فاعتقلت العائدين من كمبالا الذين وقعوا على مصفوفة (الفجر الجديد) باعتبارهم قد خالفوا قانون الأحزاب الذي يمنع اتخاذ العنف وسيلة للعمل السياسي. بدا جليا من ردود الأفعال أن أحزاب المعارضة قد أعطت الحكومة فرصة ذهبية للخروج من أزمة كادت تخنقها بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جعلت أهل الحكم ينكفئون داخليا يبحثون عن تسوية لخلافات الإسلاميين الداخلية. فإذا بالمصفوفة تحدث ثغرة في جبهة المعارضة حين أظهرت المعارضين في ثوب غير مبدئي يتبنون في كل مرة خطا جديدا للتغيير. فحشد الحزب الحاكم آلته الإعلامية وأظهر المعارضة داعية حرب وفوضى. وكانت الحملة من الشراسة بحيث لم تملك قيادات حزبية بارزة غير التراجع والتبرؤ من المصفوفة، فأصيبت المعارضة إصابة مزدوجة. للمعارضة الحزبية تجربة طويلة في مناهضة الأنظمة الشمولية، لكن يبدو من الارتباك الحالي في ترتيبات المعارضة وفي مواقفها أنها لم تستفد من دروس سابقة في العمل المعارض في مايو وخلال عهد الإنقاذ، لقد تضرر السودان كثيرا من اكتفاء المعارضة في التجارب السابقة بشعار (دعنا نسقط النظام أولا)، وهو شعار يعين على التهرب من الإجابة على أسئلة صعبة أو تجنب مواجهة حقائق قد تتطلب إعادة النظر في أمور كثيرة، بما قد يفضي إلى تغييرات جوهرية في تركيبة المعارضة وتفكيرها. وما كل القضايا تحتمل التأجيل، بل يكون التأجيل أحيانا ضارا جدا بمرحلة ما بعد التغيير حين تفصح قوى معارضة عن رؤى خطيرة كانت مخبأة في مرحلة الانشغال بإزاحة (الكابوس). ورغم أن العملية السياسية ذات أثر بطيء فإنها تحفظ الحد الأدنى الذي يكفل سير الحياة اليومية العادية. وفي المقابل يجد العمل العسكري حظوظا أكبر في إمكانية إحداث التغيير السريع، لكنه يفتح بابا لفوضى محتملة. هذا غير ما يحمله هذا الخيار من تبعات للحرب. وعليه يفترض أن قوى الإجماع قد اختارت الوسيلة السلمية مدركة لتبعات كل خيار. لكن إقدامها على مصفوفة (الفجر الجديد) هبط بها إلى درك الانتهازية حين دفعت بخيارها وتنتظر في ذات الوقت مزايا الخيار الذي ترفضه. سارع ممثلو أحزاب الإجماع للتوقيع على مصفوفة ليس من همومها إيقاف الحرب في هذه المرحلة، فتبنت بذلك قوى الإجماع العنف وسيلة للتغيير. ثم أوغلت في هذا الاتجاه. فلم تشترط المصفوفة إلقاء السلاح فور إسقاط النظام فجعلته من ترتيبات الفترة الانتقالية. وهو تأجيل خطير يجعل حملة السلاح أصحاب الكلمة العليا في فترة الانتقال، وقد يباهون بأنهم قد أتوا للسلطة من وسط النيران لا من المكاتب المريحة. تجاهل الأسئلة الصعبة مثل مدى تأثير الاختلاف بين القوى الاجتماعية التي تمثلها الجبهة الثورية وتلك التي تمثلها قوى الإجماع لا ينجي العمل المعارض من مصير محتوم. هذا التجاهل يتغاضى عن (شكوك) مبطنة يحملها الثوريون عن بعض قوى الإجماع لاستعداد الأخيرين اجتماعيا -حسب رؤية الجبهة- لحمل بذور الظلم التي رعاها نظام الإنقاذ. وهو تجاهل يتغاضى عن هوة تجعل في الإمكان توصل الجبهة الثورية لاتفاق منفرد مع الحكومة مثلما فعلت من قبل الحركة الشعبية، ضاربة بكل المواثيق و(العشرة) مع التجمع الوطني الديمقراطي عرض الحائط. وتجاهل الأسئلة الصعبة هو الذي يقود لطريقة (الكوم الكبير) بلا فرز. رغم أن فرز الكيمان هو المقدمة الضرورية للتعايش بين مجموعات تعرف (بالضبط) حدود اختلافاتها. قوى المعارضة محتاجة لجهود إضافية لتحديد مواقفها من القضايا التي لا يحتمل (ترحيلها) لما بعد إسقاط النظام. حتى لا تكون القضايا المرحلة قنابل موقوتة تنفجر من داخل النظام الديمقراطي الذي لا تحميه الانتخابات الحرة النزيهة وحدها. ولندع الحرب الخطيرة التي تجرح جسد الوطن وتنهك الغلابة والمتعبين. رغم أن خطرها يستوجب رأيا صريحا تعززه المواقف العملية، فلندع الحرب. ولننتقل إلى ما هو أدنى بكثير. هل تستطيع حكومة قادمة أن تحقق مجانية التعليم والعلاج؟ هل هو شعار سياسي أم حلم ممكن؟ لا بد أن تجيب المعارضة على أسئلة كثيرة قبل أن تجد نفسها وجها لوجه أمام مسؤولية إدارة وطن بأكمله يعاني مشاكل معقدة، ويزداد الحرص على معرفة إجابات المعارضة بعد أن وضح بمسلكها الأخير أنها لا تملك خطة لما هو أدنى.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...