


عدد المقالات 80
في عُرف الناس أن الأحرار يقتلهم الإحسانُ إليهم، هؤلاء هم كرماءُ النفوس، الذين يودّون لو أنَّ الأرض تنشقُّ وتبلعهم ولا يحتاجون إلى أحدٍ، لكنها الأيام ترفعُ وتضعُ! يأسرهم المعروف ويلجمهم طوال حياتهم، فإذا ما تواروا عن أعين الناس فإنما هو حياءٌ لعدم مقدرتهم على ردِّ المعروف كما يأملون.. رعاك الله يا أبا الطيب، أظنك تكتب شعرك بدم قلبك: وَما قَتَلَ الأحرارَ كالعَفوِ عَنهُمُ وَمَنْ لكَ بالحُرّ الذي يحفَظُ اليَدَا؟! لكنَّ أُناساً بعكس هؤلاء.. لؤماءُ، فهم مثلُ (الكيس المخروق) مهما تضع فيه من شيء يسقط على الأرض!، والأغربُ من كيسهم هذا أنهم يَقلِبون لك ظهرَ المِجنِّ، وكأنّ إحسانك إليهم كان إساءةً، فيزدادون لؤماً وتمرداً!، قال صاحبي المتنبي: إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا لا شيء يزعج المتنبي في حياته إلا مقابلة اللؤماء، والبخلاء، بل إنه يتبرأ ويأنفُ من أقرب الأقربين إن لم يكن كريم النفس، بعيد الهمة: وَآنَفُ مِنْ أخي لأبي وَأُمّي إذا مَا لم أجِدْهُ مِنَ الكِرامِ ما أخبث اللؤم!، قد يكون المرءُ من أصلٍ طيبٍ، وقبيلةٍ طيبةٍ، لكنَّ لؤمَه يغلب عليه حتى كأنَّه وُلِدَ من اللؤم لا من أبوين!.. دوختني يا أبا الطيب: أرَى الأجْدادَ تَغْلِبُهَا كَثِيراً على الأوْلادِ أخْلاقُ اللّئَامِ! اللؤم هو اللؤم يا أبا الطيب، لكنّ لؤماءَ زماننا أخبثُ بكثيرٍ من لؤماء زمانك!، ولو كنت بيننا لصدّقتني! ، يعجزون عن فعل ما يفعله كرماءُ الرجال، وهم أقلُّ وأحقرُ من أن يكونوا مثلهم، والمضحك المبكي أنهم يخادعون أنفسهم، فيرون أن البخلَ حرصٌ، والجبنَ شجاعةٌ، والنفاقَ ذكاءٌ، والطعنَ في الظهر دهاءٌ.. هم ذوو أطباعٍ لئيمة تُسيّرهم في حياتهم، وهم في الحقيقة داخل أسوار نفوسهم سجناء، خَدَعَتْهُم طباعُهم الدَّنيئة: يَرى الجُبَناءُ أَنَّ العَجزَ عَقلٌ وَتِلكَ خَديعَةُ الطَبعِ اللَئيمِ!! وأحياناً نخطئُ نحن، فنظلم اللؤماء! نعم.. لا بد أن نعترف، أليس الاعتراف بالحق فضيلة كما يقول الناس؟! نظلم اللؤماء أشدَّ الظلم إذا طلبنا منهم أن يكونوا كرماء! وأنْ يتشبهوا بالعظماء من الناس، لأنهم سيُحمّلون أنفسَهم اللئيمة مالا تُطيقه أبداً، وبذلك نكون قد ظلمناهم، والظلم لا يليق: مَنْ يَظلِمُ اللّؤماءَ في تَكليفِهِمْ أنْ يُصْبِحُوا وَهُمُ لَهُ أكْفاءُ ومن أعظم المصائب إذا اغتنى هؤلاء اللؤماء، فأصبحوا من أصحاب رؤوس الأموال، في حين ترى الكريم يتقلب في الفقر، يكاد يقتل نفسه، كلما أراد أن يقوم بضيافة الكرماء، أو وقفةٍ مع من يحتاجه، أو مدّ يد عونٍ إلى من صفعته الأيام بيدها على وجهه... لا يجد ما يعينه على كرمِه، أليستْ هذه حسرة ما بعدها حسرة؟، كيف نكافئُك يا أبا الطيب على كرم حِكَمِك، وبعد نظرك؟ وأنت قد أهديتنا خلاصة تجاربك: وَالغِنى في يَدِ اللَئيمِ قَبيحٌ قَدرَ قُبحِ الكَريمِ في الإِملاقِ! قبل الوداع أستأذنك يا أبا الطيب.. سأعود إلى لسان عصري، فهذا صاحبي الكريم الشاعر أبوالخطاب، خالد الزهيري يقول: (الله يصيبْ الظروفْ ويقطع الحاجة اللي تخلّي الاكارم تقْصُر خْطاها!) لا فُضَ فوك يا أبا الخطاب!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...